الحركات العمالية تاريخ من النضال ضد الأنظمة الديكتاتورية

الخميس 2014/04/17
الاتحاد العام التونسي للشغل قام بدور كبير في مناهضة حكم الإسلاميين

القاهرة - يسجل كتاب “دور الحركات العمَّالية في دعم الديمقراطية”، الذي أعده ممدوح مبروك، الباحث بمكتبة الإسكندرية، بعضا من تجليَّات العلاقة بين النقابات العمَّالية والديمقراطية من أوروبا إلى أميركا اللاتينية إلى آسيا وصولا إلى التجارب العربية.

ينطلق الكتاب من الحركات العمَّالية في التجارب الديمقراطية العالمية، من خلال التجربة البولندية والإنكليزية واليابانية والسويدية وتجربة أميركا اللاتينية، ويبين أن الحركة العمَّالية واجهت على مدار تاريخها مشكلة أساسية تمثلت في كيفية تحويل العمل النقابي إلى ثقافة وروح ومضمون أكثر من كونه مجرد آليات وأدوات تتعلق بتشكيل نقابات وسن قوانين والمساومة الجماعية، إلخ.

ويشير الباحث إلى أن الحركات النقابية على مستوى العالم لعبت دورا أساسيّا في حركات التحرر الوطني ومقاومة العنصرية التي شهدها العالم، والأمثلة على ذلك عديدة، فقد لعبت المنظمة النقابية بجنوب أفريقيا دورا كبيرا في إنهاء التمييز العنصري، وكذلك الحركة النقابية في أسبانيا قدمت مساهمة قيمة في إنهاء نظام فرانكو الفاشستي.

هذا بالإضافة إلى أن بعض رؤساء النقابات أصبحوا فيما بعد رؤساء دول مثل: ليخ فاوينسا في بولندا، ولولا دي سيلفا في البرازيل، وغيرهما.

ويتطرق الكتاب إلى الحركات العمَّالية ورياح الديمقراطية في العالم العربي، ويقدم عرضا لملامح العمل النقابي ودوره في عدد من التجارب العربية التي أصبحت متفاوتة من حيث نصيبها من التحول الديمقراطي، ما بين دول شهدت ما يُطلق عليه ثورات الربيع العربي مثل مصر وتونس، وأخرى تتبنى سياسات إصلاحية كالمغرب، وثالثة لها تجربة مع الحكم الإسلامي كالسودان، ورابعة لها خصوصية سياسية وثقافية في التنوع والتعددية وهي لبنان، وخامسة تتناول خبرة التنظيمات العمَّالية في ظل الاحتلال وهي الخبرة الفلسطينية.


الحركة النقابية التونسية


عن التجربة التونسية، يبين الكتاب أن الحركة النقابية في تونس بدأت عام 1952 بتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل على يد الزعيم فرحات حشاد واتسمت بوطنيتها، حيث لعبت دورا رائدا في مناهضة الاستعمار والمشاركة في بناء الدولة الحديثة في محاولة لبناء فكر اقتصادي اجتماعي وطني يناهض الفكر الاقتصادي الاستعماري.

وخاض الاتحاد العام التونسي للشغل على مدار تاريخه العديد من المعارك الديمقراطية ودخل في صراعات عديدة مع السلطة لإنهاء حكم الحزب الواحد في ستينات القرن الماضي. وقد تصَدَّر الاتحاد العام التونسي للشغل موقعا رئيسا في الثورة التونسية وفرض نفسه كرقم لا يمكن تحييده في المعادلة السياسية، حيث كان إطارا حاضنا لمقاومة الاستبداد والاستغلال وللنضال من أجل الحرية والكرامة والمساواة الذي ساهمت تراكماته بصورة فعالة في اندلاع الثورة التونسية.

الحركة النقابية في السودان مندثرة وتابعة للدولة لا تأثير لها على الساحة السياسية ومحاولات في لبنان للإستقلال عن السلطة

ويضيف أنه منذ اشتعال الثورة التونسية وحتى الآن تواجه الحركة النقابية التونسية العديد من التحديات أبرزها: عدم استقرار البلاد نتيجة عدم اكتمال عملية التحول الديمقراطي، وتأثير الخطاب الديني الجديد على الاتحادات العمَّالية والنقابية، ومجابهة انعكاسات تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خاصة في جنوب أوروبا على العمال التونسيين المقيمين هناك، وتمدد القطاع غير الرسمي في الاقتصاد حتى وصل عدد العاملين فيه إلى حوالي 50 بالمئة من العمال، واستشرى في مختلف القطاعات، مما يشكل عائقا نحو توسع العمل النقابي، حيث يدعمه أفراد تابعون السلطة.


ضد الهيمنة


في مصر، لم يكن للحركة العمَّالية المصرية إبان فترة حكم مبارك أي دور نتيجة هيمنة النظام السابق عليها. وظهرت النقابات المستقلة على الساحة العمَّالية بشكل كبير قبيل ثورة يناير كرد فعل طبيعي للتجارب السلبية التي عاشها التنظيم النقابي إبان النظام السابق، ومن أبرز تلك النقابات “نقابة الضرائب العقارية”.

لعب العمال دورا كبيرا في التمهيد لثورة يناير من خلال الإضرابات والاعتصامات التي شهدتها ميادين مصر وقتها، وبعد الثورة حرص العمال على حرية واستقلال التنظيمات النقابية وناضلوا من أجل ذلك.

وكان الاتحاد العام للنقابات المستقلة بمثابة بارقة أمل لعدد كبير من النقابات المستقلة إلا أنه للأسف يعاني من بعض المشكلات، أبرزها: الوضع القانوني، وضعف النقابات المستقلة التي يضمها، وغياب التدريب والخبرة النقابية وتلك هي مسؤولية الاتحاد الذي من المفترض أن يقدم برامج تدريبية لكل من هو مهتم بالشأن العمالي.

ويلفت الكتاب إلى أن السودان أُتيحت له فرص كثيرة للتحول الديمقراطي إلا أنه كان يصطدم بتراجع القوى السياسية نفسها عن تحقيق الديمقراطية. فالانقلابات التي شهدها السودان حدثت بإيعاز من قوى سياسية لا تريد لأي طرف أن يمارس الديمقراطية.

وفي الوقت نفسه أدى انخراط اتحاد العمال في العمل الحزبي وابتعاده عن دوره الأساسي إلى وقوعه في تناقضات عديدة أدت في النهاية إلى إجهاض العملية الديمقراطية.

لقد أدى الفشل في إقامة نظام ديمقراطي في السودان من ناحية، وسوء الأوضاع السياسية السودانية كضعف المعارضة السياسية والتبعية التامة للنظام، وانتشار القبلية والعنصرية، وانفصال جنوب السودان وسوء الأوضاع في دارفور من ناحية أخرى، إلى اندثار الحركة النقابية واقتصارها على مجرد مؤسسات تابعة للدولة لا تأثير لها على الساحة السياسية.

بالانتقال إلى لبنان يرى الباحث أن السلطة عمدت منذ البداية إلى تطويع الحركة النقابية والسيطرة عليها من خلال: خلق تنظيمات نقابية وهمية خاضعة مباشرة لأحزاب وقوى طائفية بهدف تفتيت الحركة النقابية وتدخل وزارة العمل في عدم السماح لبعض النقابات بالحصول على تراخيص، وفي المقابل منح التراخيص للنقابات التابعة للدولة ومنع التنظيم النقابي لقطاع حيوي وأساسي هو قطاع موظفي الدولة، ومنع العمال الوافدين من التمثيل الحقيقي في النقابات وتنظيم أنفسهم، خاصة وأن هناك مئات الآلاف من العمال الأجانب متواجدون في العمالة المنزلية يُضاف إليهم مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين، والسوريين، والمصريين، والسودانيين يعملون في قطاعات مختلفة، وهؤلاء يحرمون من الحقوق النقابية.

الكتاب يكشف دور الحركات النقابية في بعض الدول

ويمنع القانون اللبناني موظفي القطاع العام من حق التنظيم النقابي، كما تنص المادة 12 من قانون الموظفين على تجريم الإضراب والتصريح للصحف وتوقيع عرائض والانضمام إلى الأحزاب، وعلى الرغم من ذلك يخوض الموظفون والمعلمون معركة للمطالبة بتصحيح أجورهم التي تم تجميدها منذ آخر تصحيح للأجور عام 1998 والتي فقدت أية قيمة فعلية لها بعد ارتفاع معدلات التضخم إلى ما يزيد عن 110 بالمئة.


مشاكل في لبنان وفلسطين


في ضوء ما سبق يؤكد الكتاب أن الحركة النقابية اللبنانية اليوم في أمس الحاجة إلى بناء مركز نقابي عمالي بديل عن الاتحاد العمالي العام ويهدف إلى تشجيع تشكيل نقابات عمالية مستقلة عن السلطة.

أما الحركة العمالية في فلسطين فيكشف الكتاب أنها نتيجة الممارسات من قبل الاحتلال الإسرائيلي وارتفاع معدلات البطالة، وطبقا لمعايير منظمة العمل الدولية نجد أن: عدد العمال في فلسطين ممن يبلغون 15 عاما فما فوق “حوالي مليون و11 ألف عامل”، 750 ألف في الضفة الغربية و”حوالي 358 ألف في قطاع غزة”، ونسبة البطالة الكلية في قطاع غزة تتراوح ما بين 24.5 بالمئة و30 بالمئة، أما في الضفة الغربية فتبلغ حوالي 16.6 بالمئة.

إن حجم البطالة بين الشباب والخرجين الجدد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و24 عاما يبلغ حوالي 111 ألف عاطل، في حين يرتفع هذا الرقم لمن تتراوح أعمارهم ما بين سن 20 و29 عاما ليصل إلى حوالي 150 ألف عاطل. تقف فلسطين الآن أمام مفترق طرق، فإما أن تستمر في تطبيق السياسات التي خلقت الأزمة، وننتظر مائة عام على الأقل للقضاء على الفقر المدقع، وإما أن تبدأ في بناء مجتمع جديد يحترم كرامة الإنسان من خلال سن تشريعات وقوانين ملائمة تتضمن تحديد حد أدنى للأجور، وتحسين ظروف العمل، وإلغاء عمالة الأطفال، وإلغاء التمييز ضد المرأة، وضمان حرية التنظيم النقابي القوي القادر على أخذ دوره في الرقابة والمحاسبة، ومحاربة الفساد، وحماية المجتمع المدني، وترسيخ مفاهيم للاستقلال والديمقراطية.

6