الحركات المتطرفة تغذي الارهاب في مصر

الجمعة 2014/03/21
الهجمات الإرهابية تطرح تساؤلات عن تصاعد نشاط الجهاديين بعد سقوط مرسي

أعادت الهجمات الإرهابية التي حدثت في مصر، عقب ثورة الثلاثين من يونيو الفارط، إلى الأذهان مسألة رئيسية في الواقع السياسي والأمني الذي تعيشه مصر، وهي الحركات الإسلامية المتطرفة الناشطة بكثافة في ربوع مصر، والتي أصبحت أكثر نشاطا في المدة الأخيرة، خاصة بعد سقوط محمد مرسي الإخواني. لتظهر اعتداءات هذه الحركات الإرهابية، وكأنّها فعلا تنفيذٌ مباشر لأجندة الإخوان في خلق الفوضى والانتقام من الشّعب الذي ثار ضدّهم. ما يدفع إلى العودة إلى دراستها بشكل أكثر تعمقا.

بالعودة إلى المعطيات الإجتماعية والدينية التي دفعت إلى ظهور مثل هذه الحركات المتطرفة جنبا إلى جنب مع حركة الإخوان المسلمين، وهي تحاول التغلغل صُلب النسيج الاجتماعي المصري، نرى أن فهم بعض المؤسسين لهذه الجماعات للدين، ورؤية منظريها لذواتهم، ليست متأسسة على اجتهادات وقراءات مباشرة للنّص الديني، وإنما هي تنفيذ متشدد لما ورد في كتب بعض الإسلاميين الأُوَلْ، مثل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وعدّة شخصيات أخرى.

والجدير بالملاحظة في الآثار التي خلفها بعض الناشطين في هذه الحركات، أنّهم ينظُرون دائما إلى القائد المؤسس على أنه النبي الأعظم المتشكل أمامهم، وكأنه القاضي الأوحد في العالم، يصدر أحكامه بتفويض إلهي مطلق، أو كما صورها صالح زهرالدين في دراسته عن فهم الآخر من منظور الإسلاميين، على أنهم “استبدلوا عبارة خير أمة للناس بعبارة خير حركة أو تنظيم خرج للعالم”.


تنظيمات متطرفة


ومن الأساسي عند الحديث عن الجماعات المتطرفة التي تنشط في مصر منذ عقود (والتي أنتجت أسماء إرهابية عالمية مثل أيمن الظواهري القيادي الأول في تنظيم القاعدة)، أن نذكر بعضها على سبيل الذكر وليس الحصر.

إذ نجد الجماعة الإسلامية أو جماعة المسلمين كما تسمي نفسها، يقودها عمر عبدالرحمن، بعد تأسيسها من قبل ناجح إبراهيم في أوائل السبعينات. وقد استخدمت هذه الجماعة العنف والهجمات الإرهابية في حق المؤسسات المصرية، نظرا لاعتقادها في “الجهاد”، لإقامة الدولة الإسلامية التي يرونها. وينتشر هذا التنظيم خاصة في محافظات الصعيد والمنيا وسوهاج.

أما عن جماعة “التكفير والهجرة” التي يقودها شكري أحمد مصطفى، فقد نشأت في السجون المصرية في بداياتها، ثم تبلورت أفكارها بعد خروج منظريها.

وتعتبر هذه الجماعة أن الحكام والمحكومين وكل ما نتج عن أية عملية حكم في الوطن العربي، أو البلاد التي فيها غالبية مسلمة، هي “منتجات كفر وخروج عن شرع الله”، حسب اعتقادهم، وبذلك وجب قتل ونسف كل من يحاول الإبقاء على تلك المؤسسات، مدنيًّا كان أو عسكريًّا.

لا يمكن طبعا تناول كل التنظيمات المتطرفة التي مرت على مصر، نظرا لكثرتها وتنوعها، فظهورها كان في شكل جماعي (العديد من التنظيمات التي تكوّنت في الفترة نفسها)، واختفاء بعضها الآخر بسرعة بعد تنفيذ الأجندة المطلوبة منه.

لكن الأكيد أن هذا السياق “التكاثري” للجماعات المتشددة لم ينقطع بفعل السنوات، ولم تفد سياسات النظام السابق في القضاء على الخلايا الإرهابية. بل إنّ امتدادات سنوات السّبعينات والثمانينات، أصبحت واقعا نراه اليوم، خاصّة مع تنظيم “أنصار بيت المقدس”.

وارتباطا بالأحداث الإرهابية الأخيرة التي هزت مصر، ومن بينها تفجير حافلة السياح الكوريين في سيناء وتفجيرات القاهرة ومراكز الأمن والجيش، فإنّ تنظيم ما يسمى بـ”أنصار بيت المقدس”، قد أخذ نشاطه في التواتر وتناولته وسائل الإعلام والباحثين والمراقبين بعين التمحيص والبحث.

إذ يعتقد البعض أن أنصار بيت المقدس، هي منظمة رديفة لحركة حماس التي تتمركز في غزة، قد استطاع أعضاؤها التسلل إلى مصر عبر الأنفاق الحدودية بين سيناء وغزة. وأول ظهور لهذه الجماعة كان أساسا، بعد ثورة 25 يناير، عبر تفجيرات لخط الغاز في سيناء.

تنظيم "السماويين"
◄ نسبة لعبدالله السماوي مؤسس التنظيم

◄ تأسس في أواخر السبعينات من القرن الماضي

◄ انتسب إلى هذه المنظمة قاتل أنور السادات خالد الإسلامبولي

◄ شارك في اغتيال السادات سنة 1981 أعضاء آخرون من "جماعة الجهاد"

وبعد سقوط مرسي تحول نشاط التنظيم إلى التصعيد المباشر، وبدأ في استهداف المقرات الأمنية ومؤسسات السيادة والمدنيين “بالتنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين وكوادر من حماس”، حسب قول الباحث عبدالرحيم علي، الّذي أكّد مرارا أنّ جماعة الإخوان المسلمين تقود الهجمات الإرهابية ضد الدولة والشعب، بعد أن فشلت مرارا في اختراق أجهزة المخابرات الحربية المصرية وتركيع الجيش.


"الحاكمية"وعداء الديمقراطية


الظن باستقلالية الجماعات الجهادية عن جماعة الإخوان المسلمين، وتأسيسها بمعزل عن الدوائر التنظيمية للجهاز الخاص للجماعة، أمر مجانب للصواب في الكثير منه. فلئن تعددت هذه الجماعات (التي قدمنا أمثلة عنها سابقا) واختلفت جزئيا في طريقة تنظيمها أو أدائها، إلاّ أنّها تجتمع في آخر المطاف حول فكرة سيد قطب المركزية وهي “الحاكمية”.

مما يؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين ـ وإن لم تكن مسؤولة مباشرة عن ظهور هذه الحركات ـ فهي تمثل الجماعة الأم التي من خلالها نمت التنظيمات الجهادية، نتيجة تراكمات داخل الإخوان أدّت في تطور مساراتها وأنساقها إلى بروز التطرف والإرهاب.

فالارتباط الرّوحي، وحتّى العقائدي بالسيد قطب، المهندس الأول لثلاثية الدين والدولة والعنف، لم يتمظهر فقط في استعمال الإخوان للإرهاب لفرض أنفسهم على المجتمع، بل إنّ الفكرة المحورية “الجهادية” لقطب، كانت محور عمل التنظيمات المتشددة الأخرى. ولعل كتابات وآثار بعض الإسلاميين في حزب التّحرير أو الحركة الإسلامية الجزائرية تبين ذلك.

وبالعودة إلى إحدى الرسائل التي كتبها صالح عبدالله سرية عضو حزب التحرير الإسلامي، والتي عنونها بـ”رسالة الإيمان”، فإن عداء هذه المجموعات للدولة والمؤسسات يعدّ عداءً عضويا في بنية تفكيرهم.

فـ”الديمقراطية منهاج للحياة مخالف لمنهاج الإسلام”، حسب قوله. وهو قول إن دل علي شيء فهو يدل على جهل بتعريف المفاهيم التي يقومون بالتعاطي معها، فالديمقراطية، حسب قوله، “منهاج للحياة”، في حين أنها في الأصل غير ذلك، لأنها (أي الديمقراطية) تقنية لإدارة الخلاف بين الفرقاء السياسيين في دولة ما. ناهيك عن ورود قضايا شكلية أخذت حيزا كبيرا في هذه الرسالة ناقشت مسائل كتحريم تحية العلم في المدارس، والسلام الجمهوري أو الملكي، وتحية الجندي المجهول...

ومن جهة أخرى توضّح رسالة صالح عبدالله سرية كيفية نظر غالبية هذه الجماعات المتشددة إلى مسألة التكفير، (والتكفير محور رئيسي في منهاج رؤيتهم إلى الآخر).

إذ يشير كاتب الرسالة إلى قواعد ثلاث تؤدي مباشرة إلى التكفير المطلق، وهي أنه على البشر تنفيذ إرادة الله على الأرض وإلا فهم كفار (دون توضيح أو تفسير ماهي إرادة الله ومن سينفذها؟) وثانيا هي أن الإسلام كل متكامل وجب الأخذ به دون انتقاص (دون توضيح القصد من هذه القاعدة) وأما القاعدة الثالثة، وهي الأخطر، هي تكفير الحكام والشعوب لأنهم لا يطبقون الإسلام (أو لا يعملون بالإســلام حسب ما ورد في الرســالة).

وللإشارة، فإنّ الحركات المتطرفة بشكل عام لم تترك أحدا إلاّ وألحقت به الأذى، فحتى المنضوين تحتها لم يسلموا من التكفير. فإذا كانت أشكال تعاملهم هذه مع “المسلمين”، فكيف ستكون إذن مع غير المسلمين؟.

13