الحركة الأدبية في عالم يزداد فردية

السبت 2015/01/24

كثيرة هي الحركات الأدبية التي شهدها العالم على امتداد قرون ساهمت بشكل أو بآخر في إثراء المدونة الأدبية العالمية، والتغيير في روح الأدب والفن والفكر، بفتح آفاق جديدة أمام الفعل الأدبي والمنجز الفني الإنساني عامة. حركات مثل حركة مابعد الحداثة التي تبينت معالمها بعد الحرب العالمية الثانية، شأنها شأن حركة جيل الإيقاع أو حركة الجيل الضائع التي يعزى ظهورها للكاتبة الأميركية غيرترود ستاين، وقد روّج لها أرنست همنغواي في روايته “الشمس تشرق أيضا”. ونذكر أيضا الحركة الشعرية التصويرية التي تعتمد الصورة بدل الفكرة إضافة إلى السريالية التي استمدّت مفاهيمها من الفن التشكيلي، وغيرها الكثير من الحركات الأدبية منها ما نال إشعاعا عالميا ومنها ما بقي في إطار الحيز الجغرافي والزمني الضيق.

الأدب العربي بدوره عرف حركات أثرت في مساره مثل جماعة أدب المهجر والشعراء الرومنطيقيين، وحركة شعراء القصيدة الحرة في العراق، وحركة مجلة شعر التي ازدهرت في بيروت خلال الستينات، وغيرها. لكن ما المقصود بحركة أدبية؟ هل هي نسق جمعي يتطلب الوحدة التاريخية والفكرية لمجموعة كتاب يكتبون في نمط واحد وفق رؤية واحدة؟ أم هي نسق تخلقه مجموعة من الكتاب في مسار تاريخي وفكري متقارب لا تكون الوحدة الفكرية ووحدة الرؤية سمته اللصيقة؟

الحركة الأدبية كما نلاحظ تتطلب وحدة ما، إما وحدة تاريخية كأن يتجايل عدد من الكتاب في الزمان والمكان، أو وحدة فكرية كأن تتبنى مجموعة من الكتاب نمطا فكريا أو فنيا ما، ويكون منجزهم الأدبي منضويا تحت النمط نفسه. المهمّ أن الحركة الأدبية في جوهرها تتطلب الوحدة، مهما كانت نسقية أو فكرية أو جمالية أو تاريخية.

اليوم كلنا يعلم التغيّر الذي طال العالم والذي خلفته سيطرة العولمة على كل أصقاعه وعلى مختلف الأنماط والتوجهات الفنية والفكرية، لكن هذا النمط الكوني الجديد، وإن كانت له نزعة توحيد اللونين إلا أنه في الطرف النقيض خلق دفعا للذات إلى نفسها، أي محورية الذات الإنسانية وفردانيتها، نظرا إلى نسق المبادرة الفردية الذي خلفه النظام العالمي الجديد. وإذا سحبنا هذين المعطيين إلى حقل الحركة الأدبية، نجد أن الأول يخلق التنميط والثاني يخلق السعي إلى التفرّد، الذي ينتهي غالبا بالفشل المطلق لذات هزيلة أمام موجة النمط الكبرى، النمط المجتمعي والفكري والسياسي والاقتصادي الذي يولّد بدوره نمطا فنيا أدبيا.

هناك عدّة حركات أدبية عربية اليوم، وإن كان ما تقدّمه مدعاة للبحث من حيث كمّه وكيفه، فإن هذه الحركات تعاني من هذه الثنائية، ثنائية النمط والسعي إلى التفرّد. وإن كان الأدب وأي فن فعلا فرديا، فإنه في النهاية ليس بالفردي، كما تدفع إلى ذلك ثنائية الفرد والجماعة، فالشاعر الفرنسي رامبو مثلا يعتبر أن في ذاته آخرين، وهذه فكرة مقبولة، لكن الآخرين كنسق متنوّع لا كنمط واحد. نخلص إذن إلى أن ما من جدوى لحركة أدبية اليوم ما لم تفكك مفهوم الذات في علاقتها بكينونتها وعلاقتها بالعالم، وتعمل عليه بطريقة مغايرة لما يكرسه النظام العالمي الذي شيّأها.

شاعر من تونس

16