الحركة الإسلامية الليبية المقاتلة.. تغير الاسم وبقي منسوب التشدد

الاثنين 2013/10/14
عبد الحكيم بلحاج؛ واكب التأسيس وعايش العودة إلى العنف

«الحركة الإسلامية الليبية للتغيير» ظهرت كبديل سياسي «للحركة الإسلامية المقاتلة- ليبيا». الحركة التي تحمل فكر السلفية الجهادية والتي ظهرت منتصف التسعينات. وصدر أول بيان لها في أكتوبر 1995 يعلن عن تأسيسها، بتبني معظم العمليات المسلحة التي جرت ضد النظام الليبي. وكانت الجماعة نتاج التقاء مجموعتين من الجهاديين سنة 1980: مجموعة عائدة من الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان، ومجموعة من الداخل.

لئن كان الناشطون في الحركة الإسلامية المقاتلة غير مرتبطين تنظيميا بالتيار الجهادي الإسلامي العالمي، إلا أن الأفراد المنتسبين للجماعة يعتبرون أنفسهم تنظيما مرتبطا فكريا ومنهجيا بهذا التيار أينما وجد، في الجزائر أو أفغانستان أو مصر أو الأردن أو باكستان وغيرها من البلدان.

وبالأخص يشكلون امتدادا لحركة المجاهدين في كل من الجزائر ومصر. وحسب بيان الإعلان عن وجود الجماعة، فهم من أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. والغاية النهائية، حسب البيان، هي «مرضاة الله والعمل على إقامة دينه والتمكين له في هذه الأرض».


التأصيل الشرعي للتشدد


وللجماعة منطلقات نجدها في كتاب فقيهها أو منظرها الشرعي أبو المنذر الساعدي: «خطوط عريضة فى منهج الجماعة الإسلامية المقاتلة». وهو عبارة عن محاولة لتأصيل أفعالها انطلاقا من الآيات والأحاديث النبوية، وأقوال الفقهاء والكتاب المسلمين. ومما جاء دالا في باب الجهاد نقرأ ما يلي:

«اتخذنا الجهاد في سبيل الله طريقاً لأنه أوّلاً فريضة من الله تعالى تأكد وجوبها اليوم على المسلمين، فقد اجتمعت في هذا العصر كل موجبات الجهاد ودوافعه، ومنها: هؤلاء الحكام وقواتهم في شكل طوائف ممتنعة: الطائفة الممتنعة هي كل مجموعة ذات قوة وشوكة تمتنع عن أداء شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة كالصلاة والزكاة والصوم أو تحريم الربا أو الخمر أو نحوهما، وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال أي طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة.

غياب الخلافة الإسلامية: «فنصب الإمام عند الإمكان واجب»، ونقل الإجماع على ذلك، وقال مستدلاً على ذلك: «أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا البدار إلى نصب الإمام حقاً فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة».

رغم هذا التأصيل الشرعي والتشدد ورفع لواء الجهاد المسلح، دخل أعضاؤها في حوار مع نظام القذافي منذ 2007 ونبذوا العنف وأجروا «مراجعات وتطورات فكرية»، نشرتها الجماعة عام 2010 في دراسة حملت عنوان «دراسة تصحيحية في فهم الجهاد والحسبة والحكم على الناس»، وتحتوي الدراسة 414 صفحة حررت في القسم العسكري بسجن أبي سليم سنة 2009.

وأسقطت كلمة «المقاتلة» من اسمها وأحلت محلها من «أجل التغيير». وتم الإفراج عن 90 شخصا لهم علاقة ما بالجماعة المقاتلة. وقد أعلن سيف الإسلام القذافي في مارس 2010 : «الدولة الليبية تعلن إطلاق 214 سجينا من الجماعات الإسلامية، بينهم 100 عنصر لهم علاقة بالمجموعة الموجودة في العراق و34 عنصرا من عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة».

ولئن وجد المنطق الأصولي والمرجعية نفسيهما في الوثيقتين «خطوط عريضة في منهج الجماعة الإسلامية المقاتلة»، و»دراسة تصحيحية في فهم الجهاد والحسبة والحكم على الناس»، فإنه يلاحظ أن الاستنتاجات التي جاءت في مسألة الجهاد مثلا في الوثيقة المسماة تصحيحية مناقضة تماما لما جاء في الوثيقة الأولى- حتى لا نقول مصطنعة- رغم اعتماد كليهما على القرآن والسنة إذ نقرأ: «استقر رأي علماء أهل السنة على تحريم اللجوء إلى السلاح من أجل تغيير الأوضاع السياسية (الخروج) بعد الخلاف القديم في ذلك، وبعد أن رأوا أضراره ومفاسده وصاروا يذكرون تحريمه في كتب الفقه والعقائد».


الأضرحة والمقابر: أهداف جديدة


هل أن إعدام القذافي وتهديم مقبرة مسيحية وأضرحة صوفية مثال على تطبيق الشريعة ومعاملة الآخر مستقبلا؟ ليس من الغريب أن يتساءل الباحث عن ذلك المشهد المروع للقذافي وهو يقتل ما إذا كان ذلك مشهدا اعتباطيا عابرا ووليد لحظة غضب عظيم أم هو تعبير عن التصور الإسلامي للقصاص كما يستنتجه الإسلاميون من الشريعة الإسلامية؟ ألم يكن من المطمئن أن يقدم القذافي للعدالة وأن ينتهي عهد الظلم ويبدأ عهد التأسيس لدولة القانون بمشهد العدالة بدل مشهد الثأر والتنكيل؟

من حق الملاحظ أن يتساءل عن مصير الأقليات الدينية في الدولة الإسلامية المتوقع إقامتها على أرض ليبيا وهو يشاهد مجموعات من الشبان الليبيين، على ذلك الفيديو المتداول على النت، وهم يقومون بالاعتداء على مقبرة مسيحية، وتخريب شواهدها وتكسير الصليب المرفوع في المقبرة تحت صيحات «الله أكبر، الله أكبر»؟.

«لقد تم الاعتداء وهدم العديد من الأضرحة والزوايا والتي كان الناس يتخذونها مزارات وأمكنة للصلاة والدعاء، ومن الأماكن التي هدمت على أيدي هؤلاء الشباب الذين يقولون أنهم سلفيون منارة الزاوية البرهانية الدسوقية الشاذلية بمقام سيدي عبد الجليل بجنزور، حيث تم هدم المقام ونهب محتويات المنارة بواسطة جماعات جاءت مدججة بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة ويصل عددهم إلى الخمسين تقريبا.

وتستقبل هذه المنارة في كل صيف قرابة 500 طالب وطالبة في دورات لتحفيظ القرآن الكريم، وتقام فيها حلقات الذكر كما يقام فيها نشاط ثقافي يشمل المعرض الصوفي السنوي ودروس في الفقه وعلوم التصوف».

وفي 13 يناير 2012 اقتحم أشخاص أسوار مقبرة مدينة بنغازي العتيقة بجرافة وحطّموا القبور، وعاثوا في قدسية الموتى كما هدموا مدرسة صوفية مجاورة.

كما هدم عدد من الأضرحة والقباب في مختلف المناطق الليبية وتم نبش قبور أصحابها الذين يعدون مشايخ الطرق الصوفية وهي إحدى المذاهب الإسلامية، ويدعى أصحابها أولياء الله الصالحين.

وعن إقصاء الثقافة الأمازيغية، يقول بن خليفة رئيس المؤتمر العالمي الأمازيغي: «لماذا هذا الإقصاء؟ ما الخطر الذي تشكله اللغة الأمازيغية إذا أدرجت في الدستور كلغة رسمية؟» مشددا على أنه «من حق الأمازيغ أن يتمتعوا بهويتهم وحضارتهم ولغتهم. واتهم الإسلاميين والقوميين العرب بأنهم «يقفون وراء إقصاء الأمازيغ».


جدل الإيمان والمواطنة


لقد شجع سقوط القذافي السلفيين في عموم ليبيا، الذين كانوا يتعرضون للملاحقة والسجن، وقد زادوا من تواجدهم العلني حتى أنهم رفعوا علم القاعدة على المبنى الذي يضم المحكمة في بنغازي؛ حيث بدأت الثورة. وفي العاصمة طرابلس، دمر السلفيون أكثر من ستة أضرحة.

سيكون متفائلا جداً من يتوقع أن يرى في المستقبل القريب دولة ذات نظام علماني في ليبيا، ولا في أية دولة عربية أخرى. لقد شوّه الإسلاميون والأنظمة المتواطئة معهم «العلمانية» إلى درجة أصبحت كلمة مرادفة للإلحاد في كل الدول العربية.

وربما من هنا تأتي معضلة الانتخابات بالنسبة لدعاة فصل الدين عن الدولة في ليبيا، وفي غيرها من بلدان العرب لأن الشعوب أقرب إلى فكر الإسلاميين بحكم بقائها تحت هيمنة الثقافة القديمة.

وليس سهلا أن تنتصر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة في هذا البلد إذ انتصارها مرهون بانتصار العلمانية، وليبيا كباقي البلدان العربية لا يمكن أن تكون بلدا علمانيا لأنها لم تعرف تحديثا جذريا وما تزال تعيش في عصر ما قبل الحداثة بل ما قبل الدولة.

ولم تنتقل الذهنيات بعد من الإيمان الديني إلى المواطنة السياسية وما تحمله من مفاهيم جديدة حول الحياة والحرية والإنسان.

خلاصة من بحث حميد زنار «ليبيا على شفا التهديد الأُصولي» ضمن كتاب 71 «ليبيا بعد القذافي» (نوفمبر 2012) الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.
13