الحركة الصوفية في الصومال.. صحوة سياسية واستدارة اجتماعية

الفكر الصوفي يظل كامنا ثقافيا للكثير من مكونات الشعب الصومالي التي ما زالت تحتفظ ببقية من الحنين الخافت إلى الطرق التقليدية.
الاثنين 2018/04/30
ألوان وأطياف صومالية

مقديشو – في ظل تحول الصراع الصومالي ليعبر عن حالة من الاستقطاب الواضح بين جماعات الإسلام السياسي المتصارعة، هناك ما قد يرشح جماعات الصوفية مثل حركة “أهل السنة والجماعة” لأن تقدم نفسها كواجهة صوفية تمثل مصالح الطرق الصوفية في الصومال وتتقاطع المصالح مع أي جهة داخلية أو خارجية تناصب العداء للمجاميع السلفية المسلحة مثل حركة الشباب والحزب الإسلامي، ومن خلال ذلك التقاطع المصلحي قد تكتسب الحركة دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا من أطراف إقليمية ودولية همها ينصب في محاصرة التطرف في الصومال.

ويقول الباحث الصومالي سالم سعيد الحضرمي، في كتابه “المشهد الصوفي في الصومال- الصلة بالسلفية وانحسار الدور” إن ارتباط الحركة الصوفية بالسياسة كان ضعيفا في الساحة الصومالية. ولعل مرد ذلك طبيعة التنشئة الصوفية التي لا تكترث بالسياسة، وتشيطن ممارسة السياسة وتحصر اهتمامها في الجانب الروحي.

انصبت جهود علماء الصوفية قبيل الاستقلال على ترسيخ إسلامية وعروبة الصومال، حيث واجهوا مخططات الاستعمار التي كانت ترمي إلى إقصاء الإسلام واللغة العربية، وردوا الكثير من مخططات الاستعمار على عقبيها بالتعاون مع رواد حزب وحدة الشباب.

وفي ظل الحكومات المتعاقبة في الحكم ما بين 1960 و1990 لا نلاحظ دوراً صوفياً فعالاً، ما عدا محاولات النظام العسكري لكسب الود الصوفي وقيامه بتعيين بعض رموز الصوفية في عدة مناصب في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

ارتباط الحركة الصوفية بالسياسة ضعيف في الساحة الصومالية، ومرد ذلك طبيعة التنشئة الصوفية التي تشيطن ممارسة السياسة

تصاعدت قوة التيار السلفي المسلح الذي ركز على مواطن الضعف الظاهرة لدى المتصوفة، كالنذر للقبور والطواف حولها، وادعاء كرامات الأولياء، والتملق للسلطة وقصائد الشاعر الصومالي أبشر نور فارح “بعدلي” -وهو أحد تلاميذ الشيخ نورالدين علي الذي لعب دورا كبيرا في إضعاف كفة الطرق الصوفية- التي امتلأت بأسلوب مشحون بالتندر والفكاهة اجتذب الكثيرين من حظيرة التصوف.

ويؤكد الحضرمي في كتابه المنشور حديثا (أبريل 2018) أن التيار الصوفي أصبح سيئ السمعة بالتصاقه بالنظام الذي نشأت عدة جبهات لمحاربته وعارضته العديد من القبائل، وهذا لا شك أفقده التعاطف الشعبي، وأيضا لم يلعب التيار الصوفي دورا كبيرا أثناء الحرب الأهلية في مجالات التعليم والإغاثة، على عكس الجماعات الإسلامية التي قامت بدور فعَّال في مجال الإغاثة، مستفيدة من الدعم القادم من بلدان الخليج وتفردها بإدارة المعونات الإغاثية.

السمة الغالبة على الطرق الصوفية في الصومال هي ظاهرة ‏‏الانشقاق‏، مثلها مثل بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة، فمن رحم طريقتين هما القادرية والأحمدية تولدت عشرات الطرق، ربما تماشيا مع القاعدة الصوفية الأصيلة‏ “الطرق إلى الله‏ على عدد أنفاس البشر”،‏ أو أن الأمر لا يعدو كونه تنوعا في أساليب التدريس والتعليم والتعبير عن الحب، وهو أمر لصالح الصوفية وليس عليها.

ويخلص الباحث  في كتابه الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث، بدبي، إلى أن بعض طرق الحركة الصوفية في العشرية الأخيرة، بدت تمارس تغيرا شاملا في مضامين أفكارها وتقتحم حقل العمل المسلح من أوسع أبوابه.

وظهرت حركة صوفية مسلحة تحت اسم “أهل السنة والجماعة” في أواخر عام 2008 في المناطق الوسطى واصطدمت بحركة الشباب والحزب الإسلامي في مناطق وسط الصومال على خلفية قيام الأخيرتين بنبش مقابر بعض أقطاب علماء الصوفية وهدم مزارات في أكثر من منطقة وحظر المناسبات الدينية التي تعج بها الساحة الصوفية. ومن الوهلة الأولى بدا أن جماعة “أهل السنة والجماعة” ليست انتفاضة عاطفية لبسطاء من المجاميع الصوفية ثاروا على خلفية هتك حرمات رفات مشايخهم.

وهي واجهة مسلحة تتمتع بمصادر تمويل وتسليح منظمة نظرا إلى التقدم العسكري السريع الذي حققوه على حساب خصومهم، والقوة العسكرية الهائلة التي ظهرت في حوزتهم، مما مكن الحركة من السيطرة على عدة مدن في وسط وجنوب الصومال في وقت قياسي، وإلحاق الهزيمة بخصومهم وإرغامهم على التقهقر أمام زحف مسلحي أهل السنة والجماعة في أكثر من مواجهة.

ويختم الحضرمي دراسته بالقول إنه، وعلى الرغم من التراجع الصوفي في أكثر من مجال ، وعدم تمتع هذا التيار بالتفاف جماهيري كبير حاليا، ورجحان الكفة لصالح التيارات الإسلامية حاليا، إلا أن الفكر الصوفي ظل وسيظل كامنا ثقافيا للكثير من مكونات الشعب الصومالي التي ما زالت تحتفظ ببقية من الحنين الخافت إلى الطرق التقليدية. ومن السهل أن تنتقل إليه حين تستعيد دورها المؤثر.

13