الحركة النسائية المغربية: المآل والآمال

الأحد 2015/03/22
نشأت الكثير من التنظيمات النسائية وتوحدت حول شعار محوري "من أجل تغيير شامل وجوهري لمدونة الأحوال الشخصية"

أدركت المرأة المغربية منذ عقود أن وضعها الاجتماعي المتردي يرجع بدرجة أولى إلى غياب التشريعات والقوانين التي تكفل حقها في مختلف المجالات، فسارعت مجموعة من رائدات الحركة النسائية المغربية المتعلمات والحقوقيات إلى خوض معركة كسب الحقوق. ومثلت القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية وقوانين الأسرة أولى جولات المعركة التي ناضلت من أجلها المغربيات لتصطدم بجدار صد يأبى الاعتراف بأبسط حقوقها الاجتماعية تمثل في الأطراف المتشددة في الحكومة وفي فصائل الإسلام السياسي.

كانت سنوات الـ80 من القرن الماضي في المغرب عصرا ذهبيا للحركة النسائية، وكان الأمر أشبه ما يكون بربيع نسائي ازدهرت فيه الحركة الاحتجاجية النسائية جراء عاملين أساسيين: أولا، أجواء النضال الديمقراطي التي أفضت إلى إعلان ميلاد الكتلة الديمقراطية يوم 17 مايو 1992، وصولا في الأخير إلى ما يسمّى بتجربة حكومة التناوب بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبدالرحمان اليوسفي في 14 مارس 1998، وثانيا، الدينامية التي مثلتها رائدات الكفاح النسائي المغربي المنحدرات من تقاليد يسار سنوات الـ70، أمثال لطيفة جبابدي وعائشة الخماس وزهور العلوي، واللواتي أسسن في فبراير 1983 أول تنظيم نسائي بالمغرب، اتحاد العمل النسائي، ثم أصدرن بعدها صحيفة “8 مارس″، التي لعبت دورا كبيرا في تجميع الناشطات والمثقفات والمناضلات الحقوقيات واليساريات وكل من امتلك وعيا مبكرا بأهمية قضايا المرأة في بناء المشروع الحداثي الديمقراطي. ساهمت صحيفة “8 مارس″ في بلورة وعي نسائي نقدي، لا سيما بعد أن نشرت استطلاعات صادمة حول مسألة الطلاق، أطلقت على أثرها “حملة وضع الطلاق بيد القضاء” وكرست لها الأعداد 27، 28 و29 (8 مارس ـ أبريل ـ مايو 86)، فخلفت الجريدة بذلك حركية غير مسبوقة وسط المجتمع المدني المغربي.

ليس أمام الحركة النسائية المغربية سوى أن تواصل الطريق وهي اليوم أمام معارك إصلاحية كبرى لا تتعلق بقانون الأسرة وحسب، وإنما ثمة الكثير من القضايا التي تتعلق بالقانون الجنائي

في أواخر العقد الثامن من القرن الـ20 قام اتحاد العمل النسائي، والذي كان جزءا من اليسار الجذري، بإطلاق العديد من المبادرات بغاية المطالبة بتغيير مدونة الأحوال الشخصية (قانون الأسرة)، فانعقدت محاكمة رمزية شهيرة لبنود مدونة الأحوال الشخصية تبعتها مبادرة حملة المليون توقيع، والتي انطلقت يوم 8 مارس من عام 1992 ومكنت المناضلات والمناضلين من التواصل المفتوح مع المواطنين في مختلف شوارع العاصمة الرباط وبعض المدن الأخرى. فضلا عن فتح ملفات كانت إلى وقت قريب تبدو حساسة، مثل تجريم التحرش الجنسي وحقوق خادمات البيوت. وهو ما أفضى في الأخير إلى انطلاق صيرورة لتغيير مدونة الأحوال الشخصية، سرعان ما انخرطت فيها كافة الأحزاب -باستثناء فصائل الإسلام السياسي- ثم قبلتها الدولة في الأخير.

سرعان ما انفصل اتحاد العمل النسائي عن اليسار الجذري الذي نشأ فيه وانخرط في دينامية النسق السياسي العام. وتلك تجربة الكثير من مبادرات اليسار الجذري في المجتمعات الغربية بالنظر إلى الموضوعات غير الانتخابية (المرأة، الأقليات، الإجهاض، المثلية إلخ).

في تلك الأثناء نشأت الكثير من التنظيمات النسائية وتوحدت حول شعار محوري “من أجل تغيير شامل وجوهري لمدونة الأحوال الشخصية”، مع التركيز على المطالب الأساسية التي تشكل العمود الفقري للتغيير المنشود:

إشراك المرأة في صياغة قانون الأسرة، رفع سن الزواج إلى 18 سنة، جعل الطلاق بيد القضاء، رفع الولاية عن المرأة الراشدة، إلغاء أحكام بيت الطاعة، منع تعدد الزوجات، التنصيص على المسؤولية المشتركة للزوجين على الأطفال، خلق صندوق لتغطية النفقة مباشرة بعد الطلاق، التنصيص على اقتسام الممتلكات المتراكمة أثناء الزواج بعد الطلاق، الاعتراف بحق إثبات النسب بالطرق العلمية الحديثة (ADN) لحماية حقوق الأطفال.

المغربيات ناضلن من الثمانينات لكسب حقوقهن المشروعة

مع بدء ما يسمى بحكومة التناوب عام 1998، والتي منحت للمجتمع المدني شحنة قوية، عقدت الحركة النسائية أملها على حكومة السيد عبدالرحمان اليوسفي في شخص كاتب الدولة وقتها السيد سعيد السعدي حول مشروع خطة للنهوض بأوضاع النساء، فتكلل الجهد بوثيقة اعتبرت مجرّد حد أدنى توصلت إليه الحكومة والحركة النسائية تحت عنوان “مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية”.

ورغم أن المشروع إياه لم يستجب لكل المطالب النسائية، إلا أنّ أغلب التنظيمات اعتبرته خطوة إيجابية في انتظار خطوات أخرى، لكنه للأسف اصطدم باعتراض الإسلام السياسي ومعه بعض العقليات الأصولية المتغلغلة في دواليب الدولة. وبدا الأمر كما لو أنه خذلان من داخل حكومة التناوب عندما حرض وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المجالس العلمية للتصدي للمشروع. ثم انهالت بيانات المجالس العلمية لغاية تسفيه وتتفيه مطالب الحركة النسائية، وانضمت إلى الأبواق المعادية كافة فصائل الإسلام السياسي وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، لا سيما جناحه الدعوي المتمثل في حركة الإصلاح والتوحيد، هذا الأخير الذي قاد هجوما مضادا وأخرج مسيرات واحتجاجات ضد تغيير مدونة الأسرة بدعوى عدم المساس بالشريعة، وبدأت شعارات التكفير تعلو في الأجواء وقد اتّسمت تدخلات أعضاء حزب العدالة والتنمية وقتها في البرلمان بمحاولات تشويه وتسفيه المطالب النسائية، وكثيرا ما حاولوا صرف الانتباه وتوجيه الأنظار إلى قضايا جانبية من قبيل “منع بيع الخمور في الطائرات”، و”وقف جلسات البرلمان أثناء أوقات الصلاة” إلخ.

أمام تلك الحملة المعادية عملت الحركة النسائية على تطوير أدائها، فأفرزت هذه المرحلة تنسيقين مهمين: الجبهة من أجل حقوق المرأة وشبكة دعم خطة إدماج المرأة في التنمية. وأصبح الفرز واضحا بين مشروعين مجتمعيين :

- المشروع الحداثي الديمقراطي الذي يروم أفق التنوير: الحرية، الكرامة، المساواة، السلام.

- المشروع الأصولي الماضوي الذي يخترق المجتمع والدولة ويروج لفكرة أن ليس بالإمكان أفضل مما كان.

في تلك الأجواء من الاصطفاف لم تعول الحركة النسائية على الارتجال، وإنما جندت كل طاقاتها التنظيمية والفكرية والإعلامية والتواصلية واستعانت بالمتخصصين في مجال الفقه من العلماء المتنورين وبعض الباحثين وعلماء الاجتماع والقضاة والمحامين، وفي وقت قياسي أنجزت الدراسات التحليلية والبحوث الميدانية التي دحضت الأسس الفقهية التي يعتمدها الإسلام السياسي.

لقد ظهرت الفجوة واسعة والشرخ كبيرا بين مختلف فصائل الحداثة ومختلف فصائل الإسلام السياسي بخصوص قضايا المرأة أكثر ما ظهر بخصوص أي ملف آخر وهو ما عكسه الحراك الاجتماعي ليوم 12 مارس من عام 2000، حيث سارت مسيرتان ضخمتان في نفس اليوم: الأولى، مسيرة الحركة النسائية بالرباط تطالب بتغيير قانون الأسرة حتى يرقى إلى مستوى القوانين الحديثة، والثانية، مسيرة الإسلام السياسي في الدار البيضاء تطالب بالحفاظ على نفس المدونة باعتبارها من ثوابت الشريعة الإسلامية. على أثر ذلك الانقسام الاجتماعي الحاد أعلن العاهل المغربي عن تشكيل اللجنة الملكية لتعديل مدونة الأسرة وهي اللجنة التي ضمت علماء متنورين وزعماء سياسيين وخبراء فنيين في محاولة منه لإخراج النقاش حول هذه الموضوعات الحساسة من دائرة الشارع والمزايدات الشعبوية. وهو ما تفاعلت معه الحركة النسائية بإيجابية.

الحركة النسائية المغربية حققت إنجازا هاما في مستوى مدونة الأحوال الشخصية

عموما، لقد حققت الحركة النسائية إنجازا هاما في مستوى مدونة الأحوال الشخصية. وهذا ما تكشفه التعديلات الأخيرة، من قبيل:

الإقرار بمبدأ المساواة في المسؤولية المشتركة على الأسرة، رفع الولاية على الراشدة، رفع سن الزواج إلى 18 سنة، الطلاق الاتفاقي، التخلي عن مبدأ القوامة والطاعة مقابل الإنفاق، تقسيم الممتلكات المتراكمة أثناء الزواج بعد الطلاق، الحرص على حماية حقوق الأطفال، جعل بيت الزوجية من حق الأطفال والحاضن..

وأهم إنجاز تم هو جعل مدونة الأسرة قانونا ضمن سائر القوانين الوضعية الأخرى من اختصاص البرلمان مناقشته. وبهذا النحو يكتمل رفع القداسة عنها? وبفضل نزع القداسة تلك أصبح بإمكان البرلمان مناقشة قضايا أخرى كانت إلى وقت قريب ضمن المقدسات، مثل قضية تقنين الإجهاض المثارة في هذه الأيام.

لقد أكدت التجربة بالملموس أن الحركة النسائية بالمغرب شكلت الجبهة الأكثر استماتة في مواجهة الإسلام السياسي بشقيه المعارض والمخزني. لكن هناك مسألة أخرى كشفتها التجربة المغربية، ما هي؟ خلال مداولات اللجان البرلمانية حول مشاريع ومقترحات القوانين، لا يحضر أعضاء الإسلام السياسي بكثافة إلا حين يتعلق الأمر بالمواضيع ذات العلاقة بالحريات الفردية والمساواة الجنسية وبهدف إشهار فيتو الشريعة في الوقت المناسب، لكنهم أيضا سرعان ما يتوقفون عن نقد القانون عندما يصبح القانون ساريا، فينتظرون المعركة القادمة. إنها نفس الحلقة المفرغة في غالبية الدول الإسلامية.

ليس أمام الحركة النسائية المغربية سوى أن تواصل الطريق وهي اليوم أمام معارك إصلاحية كبرى لا تتعلق بقانون الأسرة وحسب، وإنما ثمة الكثير من القضايا التي تتعلق بالقانون الجنائي، مثل الإجهاض والعلاقات الجنسية الإرادية بين الأشخاص الراشدين والتحرش، وثمة قضايا تتعلق بصورة المرأة في مناهج التعليم، لا سيما بالنسبة للمواد الدينية، وهي مواضيع ليست سهلة، لا سيما في واقع تتلبد به غيوم الردة إلى عصور وسطى جديدة. وفي كل الأحوال فقد كانت الحركة النسائية المغربية وستبقى قوة دفع أساسية في بناء المشروع الحداثي الديمقراطي. ولذلك السبب فإنها ستبقى أيضا هدفا لضربات القوى الأصولية والمحافظة سواء أكانت هذه القوى داخل الدولة أم داخل المجتمع.

20