الحركة وذعر المادة

الجمعة 2013/12/20

فوجئت بعدد الشباب السوريين الذين يمارسون التشكيل، بعض منهم واعد دون شك، وهذا على الرغم من انحطاط سويّة الإعداد والإرشاد في المؤسسات التعليمية عمومًا في العقود الأربع المنصرمة.

لعلّ انعدام الحرية والعيش برعب يوميّ مرافق وانسداد الآفاق والإصرار على ممارسة الحلم على الرغم من كلّ ما سبق هو ما يدفعهم إلى محاولاتهم.

لكن العديد منهم، الناشطين وذوي المشاغل الإبداعية، يقعون في مطبّات كان يمكن أن يتفادوها لو تسنّى لهم إرشاد من قبل زميل ذي خبرة (وهذه ليست سمة الكادر التعليمي العقائدي الذي فرضه آل الوحش)، أو ، لو عملوا أكثر على تثقيف الذات ، بكل المعاني .

ما من إبداع ممكن ، أيًا كان مجاله، إلاّ وكانت الحركة عنصرًا أساسًا فيها، حتى فيما هو في عرف البعض جمود الجماد.

لكن بعضهم يبالغون فيما يسمّى الحركة الخارجية للكتلة، أي تلك المرئية والملموسة، والتي هي برأيي أشدّ فقرًا من الحركة الداخلية، تلك التي لا تُرى بالعين ولا تُلمس باليد .. لكنها تحرّك وجدان المتأمل.

الحركة الخارجية تخاطب العين لتصل الذهن وقليلاً ما تعرج على الوجدان، أو البصيرة، والمتعة البصرية والحسّية وحدها غير كافية لإغناء تكويننا ، كل ما في الأمر أنها تجعل تجربتنا الحياتية أسعد. أرى أن مهمة النحت هو القبض على من ينظر وليس خطف نظره فحسب، ثم مرافقته في ذاكرته الخاصة.

لعلّني أصبو لما هو أبعد من الإمتاع والإدهاش.

المبالغة في تحريك الكتلة خارجيًا، والحديث عن التشكيل عمومًا، يُفقر العمل ويسيء إليه لأنها تساهم في إخلاء الجوهر وتحيل المحاولة إلى مجرّد إيحاء خارجي، ظاهري. هذا أسهل بالطبع وأكثر لفتًا للنظر العادي المتداول، ذلك الذي اعتاد النظر دون الرؤية.. لذا يتأتى العمل فقيرًا.

وهذا شأن عام، سيان أكان في الكتلة أو الشكل أو الكلمة أو النغم.. الخ. فالإمعان في عنصر من عناصر تكوّنها يصيبها بخلل ما، كأن تشير في بيت شعر ثان لما يتضمّنه البيت الأول.

لعلّ الاعتماد على الحدّ الأدنى من اللمسات (حتى في أداء الممثّل) يضفي على العمل تلك القوة المتجسّدة في “البسيط” وهو قمّة الإيحاء ومبتغاي شخصيًا (لكنني قلّما أقترب منه).

كما لفت انتباهي لدى مشاهدة بعض التجارب النحتية لدى الشباب (وبعضهم غير شاب) إدخالهم عنصرًا قاتلاً في تكويناتهم ، أقصد الكرة أو الكتلة الكروية. تتشكّل الكرة ككتلة في الطبيعة لأسباب فيزيائية بحتة تتحكّم بها شروط بعينها.

شخصيًا، كنحّات، أحسّها وكأنها مادة التمّت على نفسها بسبب من الذعر.. كما القنفذ. أعرف أن هناك مدارس واتجاهات تشكيلية تعاملت وما زالت مع الأشكال الهندسية الصرفة في تكويناتها، وهي أعمال تحمل، عندي، برودة الرياضيات. كما أنني على ثقة من أن النفس والوعي بمقدورهما التكيّف مع الطرح، إن طال تمثّله، والتعامل مع الحياة بقدر مماثل من البرودة البراغماتية.

ثمة عرف قديم في النحت يعتبر البيضة أكثر الكتل انسجامًا في الطبيعة، فهي تامة ومغايرة في عدد لانهائي من زوايا النظر. لذا كان مطمح النحاتين التوصل إلى تلك الكتلة المطلقة. (أرجو فهم القصد والمجازية وألاّ يستغرق أحد في نحت البيوض !).

بعد أربعين سنة من الممارسة مررت بمحاذاة المعنى مرات معدودة. وحتى في اللوحة ذات البعدين، قليلة هي الأعمال التي تستوي بتكوينات متماسكة كيفما نظرنا إليها (قلبناها في كل الوجوه ).

فقر الكرة ككتلة وتشكيليًا يكمن في أنها تبقى هي هي مهما درت حولها أو دارت هي على نفسها. حتى في الكاريكاتير (خطرت لي الآن وأنا أبيّض هذه الخاطرة) لقد وفّق ناجي العلي في تصميمه “حنظلة”، ذو الرأس الكرويّ ، لأنه كسر الكرة بخطّ يذهب من كتف إلى آخر مرورًا بالقحف.. وإلاّ.. لسقط التصميم تشكيليًا. حبّذا لو تفكّر الزملاء بهذا وبادروا إلى “كسر” الكرات.


نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة

14