الحركيون الفلسطينيون والخليج والمناخات المسمومة

الثلاثاء 2014/03/25

لعب الحركيون الفلسطينيون، وخصوصا المحسوبين منهم على تياري الإخوان والقومية العربية، دوراً مهما في تكوين وتعاظم موقف خليجي مستجد من القضية الفلسطينية، وللأسف غلب على هذا الموقف عدم التفاعل مع القضايا الفلسطينية، بل وأحيانا مواجهتها بشكل سلبي، في إطار ما يُعتقد أنه دفاع عن اللحمة الوطنية ومجابهة لهجمات الحركيين التي أضرت بمتطلبات نصرة فلسطين وقضاياها العادلة.

قدم الهجوم الذي يشنه منتسبون فلسطينيون إلى جماعة الإخوان عاملا مؤثرا في ابتعاد الخليجيين عن مساندة الفلسطينيين، بل وفي التقليل الشعبي من مشاعر التعاطف مع المأساة الفلسطينية، ويتحمل وزر ذلك جماعات الحركيين الفلسطينيين الذين دأبوا على مهاجمة الخليج ودوله، تارة بتخوينها، وتارة أخرى برمي تبعات المأساة الحاصلة على كاهل دول لم تتشكل جغرافيا وقانونيا إلا بعد حصول “الدياسبورا” الفلسطينية.

ويعمد هؤلاء الحركيون مباشرة، أو بطريقة مواربة، إلى تعزيز كره الخليجيين داخل النسيج العربي، والوقوف مع أناس دأبهم تخوين أهل الخليج ووصمهم بالعمالة في الوقت الذي يعيش هؤلاء في ظهراني دول ساهمت بجلاء في ما حصل من كوارث لأهلنا في فلسطين، من دون أن يمسها منهم نقد، أو استحضار لتاريخ تم كشفه عن علاقات سرية مع اسرائيل.

وما يشير إلى تناقض هؤلاء الحركيين وتخبطهم، عدم انتقادهم لموقف قطر، مثلا، وعلاقاتها المكشوفة والمباشرة مع إسرائيل، ولم ينبسوا ببنت شفة، بينما الدوحة التي تموّلهم يتجول زعماؤها بين مستوطنات الصهاينة وعلى ساحل هرتزليا، ويدعمونها بعلاقات تجارية علنية.

يبدو من خلال ذلك، وبوضوح، أن موقف الحركيين ليس ناتجا عن أجندة وطنية فلسطينية، بل على قاعدة “أطعم الفم تستحي العين”. يتفرغ أمثال هؤلاء لتنفيذ الأجندة القطرية المستمدة من تنظيم الإخوان الدولي، دون مراعاة لحساسية المسألة الفلسطينية، فالوفاء للقضية عندهم عنوانه الدفع وتمويل التنظيم الإخواني، وليس في تمويل صندوق القدس، أو منظمة التحرير، أو بناء ما يدمره الصهاينة.

لقد جرى اختزال القضية الفلسطينية من قبل حركيي الإخوان الفلسطينيين في دعم تنظيمهم وتأمين مصالحه، دونما مراعاة لطيف واسع من التيارات الوطنية المختلفة.

وهم بذلك يضربون مثالا سيئا على عمل المال السياسي ودوره التخريبي، فبفعل حصولهم على الأموال من قطر أصبح من يخالف الدوحة خائنا ومن يواليها هو المقاوم.

وقد انتقدوا دون كلل أو ملل البترودولار، ونسوا أن المال القطري، حسب مقولاتهم نفسها، يقع في هذه الخانة، ثم أين نصنّف المال الذي دفعته لهم ليبيا القذافي والجزائر، وعراق صدام حسين، وغيرها من الدول العربية النفطية، ألم يكن هذا المال نتاج آبار النفط والغاز، التي لا تبرز مساوؤها إلا إذا كانت خليجية (باستثناء قطر طبعاً).

ما سلف يجعلنا نطبق على الحركيين أصحاب الشعارات المنافقة ورعاتهم المثل الفلسطيني القائل “كل فولة مسوسة لها كيال أعور”.

أثبت هؤلاء الحركيون الفلسطينيون من الإخوان، من خلال سعيهم إلى التعريض بدول الخليج، أن أولى آفات الإسلام السياسي هي آفة تخريب التعاطي العربي مع فلسطين.

لقد تنقل الحركيون، إرضاء لمصالح تنظيمهم الباطني، بانتهازية مفضوحة لا يمكن أن تليق بثوار حقيقيين، بين جزار دمشق، ومانع الحريّات التركي، ومغيَّبْ الدوحة، فلم يتعرضوا لمن يحاصر الفلسطينيين في المخيمات السورية واللبنانية ويُجرّب عليهم كل أسلحة الإبادة، وتجاهلوا ما يفعله سلطان العثمانيين الجديد أردوغان سارق حريات الأتراك، وتراهم يتباكون، يوميا، على حريات الخليجيين، متجاهلين شاعر الدوحة ومساجينها الكثر.

وهكذا يظهر، للقاصي قبل الداني، أن المصالح السياسية الإخوانية هي التي تدمر اليوم ما بقي من تعاطف خليجي مع فلسطين وقضاياها.

القضية الفلسطينية تزدهر في نظرهم بانتفاخ الجيوب الإخوانية وما يحدث بعد ذلك فليكن الطوفان. المهم هو تلقي التمويل القطري الذي تطور، مؤخرا، إلى إنشاء قنوات إخوانية فلسطينية للتحريض على الخليجيين. وقد رصدت ميزانية كبيرة لها لتضاف إلى شقيقاتها الإخوانيات، ليكتمل عقد سلسلة من الفضائيات التي لا تتوقف عن التحريض على الخليج وشعبه بواسطة مال خليجي يدّعي حرصه على المصالح الخليجية.

بعد كل ما سلف، وما خفي منه ربما يكون أعظم، لا نستغرب أن تكون نتيجة التحريض الإخواني الفلسطيني المموّل من قطر، تنامي رأي عام خليجي يسوده كره التعاطف مع فلسطين وقضيتها، وهو ما يسمح لغلاة الخليجيين بمواجهة غلوّ “الإخونجية” والقوميين بسلاح التخوين والكراهية نفسهما، والاستهتار بمصالح الأمة العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولنا أن نتصور حجم الكارثة المستقبلية، إذا ما نما هذا التيار وقوي واستحكم ووصل إلى مراكز صنع القرار الخليجي، ما يمكنه من التأثير الاستراتيجي فيما لو تناول ببراغماتية مفرطة العلاقات مع اسرائيل، جريا على النمط القطري، فمن يقبل حينها أن تكون الدوحة أفضل من غيرها.

ما يفعله الإخوان الفلسطينيون لا يعدو كونه تلاعبا بالقضية الفلسطينية، وخيانة لها. فهذه القضية النبيلة لا ينقصها المزيد من الأعداء، خصوصا من داخل الأمة. إن أنت أردت إفساد قضية فاختر لها محامين أغبياء. والواقع أن الأجهزة الاسرائيلية لو عملت على قطع شرايين العلاقة بين العرب في الخليج وفلسطين لما نجحت في الوصول إلى مرادها كما نجح الإخوان الفلسطينيون في تحقيق هذا الهدف، من جراء الدعاية السيئة التي نشروها لقضيتهم بين الخليجيين.

ارتبطت القضية الفلسطينية في الخليج بالمنافع الحزبية ونكران الجميل والغدر، والكارثة أن من نجح في زرع هذا الاعتقاد هم فلسطينيون وليسوا إسرائيليين، وعلى الإخوة الفلسطينيين من المناضلين الشرفاء والعقلاء أن يعملوا على إصلاح ما أفسده “إخوانهم”، بتنظيف البيت من المرتزقة الذين تضاءل شأن قضية فلسطين بوجودهم في سدة صنع القرار، وعلى الخليجيين التفريق بين القضية الفلسطينية وما يفعله المأجورون من عملاء موضوعيين لإسرائيل، ومن سهّل الموساد لتنظيمهم حكم غزة، هادفا إلى دق إسفين في وحدة القرار الفلسطيني، ونجح في ذلك داخليا وخارجيا. لقد تمكنت إسرائيل في النهاية، وبتمويل قطري، أن تجعل للقضية الفلسطينية أكثر من رأس يشتت القرار الوطني ويؤخر الوصول إلى حل سريع لها.

وما لم يعد يثير الاستغراب أن إسرائيل وهي تستمتع بالطرح الإخواني الهدام لكل علاقة خليجية مع القضية الفلسطينية، باتت تضاعف من نشاطها أكثر فأكثر، منتدبة من موظفيها العرب من يعمل من داخل قصر الحكم في الدوحة، وهو ما يمكننا من فهم أسباب توتر العلاقات القطرية الخليجية، فهناك من يقف وراء ذلك في الإمارة الصغيرة، ولا حاجة بنا إلى البحث والاستنتاج بعيداً عن المنطق.

كان الله في عون فلسطين المبتلية باحتلال شرس، وجماعات باعت ضمائرها الوطنية.

9