"الحركي" الجزائري المنبوذ يكسر حاجز الصمت

تمثل الشخصية في الرواية أهم عنصر في أي عمل روائي، حيث لا يمكن أن نتحدث عن رواية بمنأى عنها، ومن جهة اخرى هناك روايات عديدة مثلت شخصياتها المرسومة بعناية فائقة من كتّابها نقطة قوة العمل السردي الذي يدور حولها، فمن منا مثلا لا يعرف شخصية زوربا اليوناني في رواية نيكوس كازانتزاكيس، وكيف كان شخصية خرجت من الورق إلى الواقع متفوقة على حبكة الأحداث المرسومة لها. وهذا ما فعله الجزائري محمد بن جبار بمحاولته تقديم شخصية جزائرية بمختلف أبعادها، شخصية لم يسمعها أحد منذ ستين عاما.
الثلاثاء 2016/10/04
الخونة لهم حكاياتهم أيضا

الجزائر - يطلّ الكاتب والروائي الجزائري محمد بن جبار، على المشهد الأدبي العربي والجزائري، برواية جديدة بعنوان “الحركي”، أي “العميل” أو “الخائن”.

ويطرح المؤلف في هذا العمل السردي ثنائية الخيانة والشرف خلال الثورة التحريرية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962).

قسم بن جبار روايته، الصادرة في شهر سبتمبر الماضي عن منشورات “القرن الـ21” الجزائرية، إلى 12 فصلا، سبقتها مقدمة مثيرة للناشر يقول فيها إنه “أخيرا تحدث بصوت قوي ذلك الخائن العميل (الحركي) المهان في أعرافنا، والذي لم نسمح لصوته الداخلي بالظهور منذ ستين سنة، لم نطلب منه توضيحا ولا تبريرا، ولم نتساءل حتى عن ظروف وشروط خيانته لوطنه”.

راهن الكاتب في روايته على أن تقف شخصية من هؤلاء الخونة المنبوذين وتضرب جدار الصمت الذي لفهم لسنين

المسكوت عنه

عنوان الرواية “الحركي” هو اسم يطلق على جزائريين خدموا الجيش الاستعماري الفرنسي خلال ثورة التحرير الجزائرية بين عامي 1954 و1962. ويؤكد مؤرخون أنه بعد استقلال الجزائر عام 1962 غادر إلى فرنسا نحو 60 ألفا من “الحركي” وعائلاتهم مع الجيش الاستعماري، وهذا ما تؤكده وسائل إعلام فرنسية بأن “الحركي” وعائلاتهم يشكلون اليوم جالية معتبرة في فرنسا تعد بنحو نصف مليون شخص، فيما بقي في الجزائر من هؤلاء، حسب تقديرات غير رسمية، ما بين 55 و75 ألفا في الجزائر، حيث تعرضوا لأعمال انتقامية.

وعن روايته، يقول الكاتب محمد بن جبار “أردت في هذه الرواية استنطاق المحظور من ذاكرة الجزائريين، بالتوغل في المسكوت عنه بجرأة غير مسبوقة، وباستفزاز الذاكرة الجماعية ضد النسيان الذي طال شخصية الحركي، الذي يعيد النظر في ثنائية الشرف والخيانة”.

ويضيف الروائي أنّه “تغلغل في نفسية هذا الحركي، واستنطق روحه وأفكاره وقدره البائس بجرأة عالية، ولغة منحوتة في قلب رجل على حافة العمر، تلفت وراءه فلم يجد سوى الخراب الذي كان لا بد أن يعطيه كي لا يذهب سدى”.

ويشير الكاتب إلى أنّه حاول في عمله السردي هذا التسلل إلى أعماق أحمد بن شارف (بطل الراوية)، ذلك “الحركي” الذي ولد عام 1936 في غليزان، غربي الجزائر، والذي يعيش حاليا في مدينة دنكيرك، شمالي فرنسا، بعد تقاعده من الجيش الفرنسي.

جرأة واستفزاز لذاكرة الجزائريين

صراع داخلي

ويقول بن شارف في مذكراته (حسب ما نقل عنه جبار في روايته) “بصفتي شبه عسكري تقاعدت سنة 1988 بطلب مني، وضعت حدا للجندية، رحلت مثل الآلاف من الجزائريين (الحركي) والفرنسيين واليهود إلى فرنسا، اخترت الرحيل، لم يكن لي خيار آخر، لم أتردد لحظة في توديع هذا البلد، لولا أمي التي جعلتني أفكر قليلا وأتريث في قرار الرحيل، وألتفت قليلا إلى الوراء، لكني رحلت، اخترت مصيري، في حين الكثير من أقراني لم يحصل لهم شرف تحديد مواقفهم، اخترت فرنسا، أحببتها، تشربت روحها، اعتنقت أفكارها، تكلمت لغتها وتجنست، استفدت من الرعاية والامتيازات الاجتماعية والمهنية والصحية”.

ويمضي بطل الرواية قائلا “أنا الآن تحت رعاية مدام فاني بوركي بالديوان الوطني لقدماء المحاربين، وقد أصبت بأمراض الشيخوخة، وقد شجعتني على كتابة مذكراتي عن الجزائر، تجسيدا للذاكرة والتاريخ في مساعيها لأجل التخفيف من التوتر الذي ينتابني في أوقات عزلتي، ساعدتني كثيرا في كتابة هذا النص، ورافقتني طيلة سنتين ونصف السنة من الإشراف المباشر ومناقشة كل فقرة من فقرات المخطوط دون أن تتدخل في كتابته أو في التغيير الذي طرأ عليه، تعمدت أن أتخلص من جزائريتي ليس انتقاما أو كرها، أريد ألا يكون هناك حنين، لم أوفق بعد”.

إنها صورة حقيقية يقدمها مؤلف الرواية لشخصية منبوذة في الذاكرة الجماعية الجزائرية هي الحركي، المرفوض وغير المسموع، لكن الفرق هنا يكمن في أنّ هذا الحركـي، أحمد بن شارف، يريد التخلص من جزائريته بأي طريقة.

ويلفت محمد بن جبار إلى أنّه يتحدث عن حالة إنسانية تعيش صراعا داخليـا ويتسابق صاحبها مع مرض “الزهايمر” الذي يهدّد ذاكرته بشكل جدي، رغـم أنه يكتب مذكراته لأسباب علاجية.

ثنائية الخيانة والشرف خلال الثورة التحريرية الجزائرية

ويرى بن جبار أنّ القلائل هم الذين كتبوا عن “الحركي” في المتن الروائي الجزائري، وبقي الحديث عن هذه الشخصية عرضيا، لذا راهن في روايته الأخيرة على أن تقف شخصية من هؤلاء الخونة المنبوذين وتضرب جدار الصمت الذي لفّهم لأكثر من ستين سنـة، يعلّق الكاتب “أن تُسمع صوتهم أعتقـد أني أتلقى اللعنات منذ بداية نشر الرواية”.

وردا على سؤال حول توقعاته لردود الأفعال والانتقادات، التي يمكن أن تخلقها الرواية، يجيب المؤلف أنّ “المؤرخين سيجدون تفاصيل دقيقة جدا للسنتين الأخيرتين من الثورة الجزائريـة (1960-1962) من وجهـة نظر كولونيالية استعمارية”.

أمّا عن النقاد، فلم يتردد الروائي في انتقادهم بالقول إنهم “لا يتحركون إلا بعد أن تأتي التزكية من الخارج، وعندما يتناولهـا الآخرون من المشرق أو المغرب، النقد عندنا غريب جدا، يتعاطى مع الرواية الجزائرية بمنطق مختلف”.

ونلفت إلى أن محمد بن جبّار هو كاتب جزائري من الجيل الجديد، ولد بمحافظة غليزان (غربي الجزائر) في العام 1965، والتحق بالجامعة ودرس الحقوق، حيث حصل على شهادة الماجستير في العلوم القانونية وشهادة الكفاءة المهنية للمحاماة.

وفي عام 2015، نشر بن جبّار أولّ رواية له بعنوان “أربعمئة متر فوق مستوى الوعي”، كما كتب القصة القصيرة ونشر البعض من قصصه في صحف محلية وعربية مختلفة.

14