الحرمان من التعليم سبب تزويج القاصرات في الأحياء الشعبية المصرية

الأمية وعمالة الأطفال يعدان من أبرز مخاطر إلغاء مجانية التعليم، وأبناء الأسر الفقيرة أكبر الخاسرين.
الجمعة 2018/11/16
بداية الاستغلال

تخشى العديد من الأسر المصرية مقترحات مراجعة قانون مجانية التعليم، ما يجعل الأسر البسيطة والفقيرة تفكر في حلول على حساب مصلحة الأبناء، منها إبعادهم عن المدارس وتشغيلهم وتزويج الفتيات حتى دون السن القانونية، وغيرها من الحلول المضرة بمستقبل الأبناء. ويوفر هذا القرار للآباء مبررات تجنبهم الإحساس بالذنب في حق أبنائهم.

القاهرة - استقبل محمود كمال، صاحب ورشة لإصلاح الأحذية بحي الزيتون شمالي القاهرة، حديث طارق شوقي وزير التربية والتعليم المصري، عن ضرورة إعادة النظر في مجانية التعليم، بالصدمة، لأنه سيكون مضطرا إلى إبعاد أولاده عن المدرسة، فلن تصبح مغرية لأولياء الأمور، في ظل الغلاء وسوء الأحوال المعيشية لأكثر الأسر المصرية.

وطالب شوقي أعضاء البرلمان بدراسة مجانية التعليم مرة أخرى، وإعادة النظر فيها، لأنه لا يمكن استمرارها بوضعيتها الحالية، بحيث يحصل رب الأسرة الذي أنجب خمسة أولاد، على نفس الدعم التعليمي المقدم للأسرة التي لديها طفلان فقط، ووصف مجانية التعليم بأنها “ظلم أسري واجتماعي”.

ويقول محمود -أب لخمسة أبناء، بينهم ثلاثة في مراحل دراسية مختلفة، واثنان لم يبلغا سن التعليم- لـ”العرب” إن “الحكومة في حال قررت تخفيض مجانية التعليم، فذلك يعني أن الأسر الفقيرة سوف تضطر إلى عدم إلحاق أولادها بالمدارس، وأنا أول هؤلاء، فيكفي ما تتحمله الأسرة من مشقة توفير تكاليف المتطلبات الضرورية، على رأسها فاتورة التعليم بوضعه الراهن”.

وكشف كلام وزير التعليم وجود توجه حكومي غير معلن، حول تحميل الأسر تكلفة تعليم أبنائها، والمساهمة في ميزانية إصلاحه، بدلا من تحمل الموازنة العامة للدولة وحدها المخصصات المالية لنحو 22 مليون طالب يدرسون في مراحل مختلفة، في المدارس الحكومية، ويمثلون نحو 86 بالمئة من عدد طلاب مصر. لا توجد مجانية للتعليم على أرض الواقع، في مصر، حيث تنفق الأسر قرابة نحو 1.7 مليار دولار على الدروس الخصوصية، بذريعة أن المدارس لم تعد تقوم بالدور المنوط بها لتعليم الطلاب، ما دفعها إلى البحث عن مراكز تقوية لمستوى الأبناء، في حين تقول الحكومة إنها لا تستطيع توفير الأموال لدعم وتطوير البنية التحتية في المدارس والحد من الكثافة الطلابية.

تنظر الحكومة إلى ما تدفعه الأسر للمؤسسات التعليمية غير الرسمية المتمثلة في مراكز الدروس الخصوصية مقارنة برفضها تحمل جزء من ميزانية تطوير التعليم، بنوع من الريبة، وتفكر بمنطق أن الأسر التي تدفع مليارات الجنيهات لمعلمين خصوصيين تمتلك القدرة على تعويض تخفيض مجانية التعليم ودفع الأموال التي تُطلب منها في المدارس الرسمية.

ويرى مراقبون أن إقبال الأسر المصرية على التعليم الموازي ودفع المبالغ التي تطلب منها من المعلمين الخصوصيين، دفع الحكومة نحو مراجعة مجانية التعليم، بعد غضب أولياء الأمور على تحركات وزارة التعليم، خلال الأيام الأخيرة، نحو غلق مراكز الدروس الخصوصية.

الابن سيكون مطالبا بجمع المال، أما الابنة فستصبح عبئا ثقيلا على أسرتها إلى حين بلوغها وزواجها قبل السن القانونية

ولا يدفع الطالب في المدرسة الحكومية، التي من المفترض أن يكون التعليم فيها مجانيا، سوى تكلفة استلام الكتب الدراسية كل عام، ولا تتجاوز الرسوم المدرسية مئة جنيه، وبعض الطلاب لا يدفعونها ولا تحاسبهم الحكومة لأنها لا ترهن تسليم الكتب بالمصروفات، وتعني إعادة النظر في مجانية التعليم أن الأسر سوف تصبح شريكة في دفع رواتب المعلمين ومعاليم الامتحانات.

ويقول محمود، صاحب ورشة إصلاح الأحذية، “آلاف الأسر تفكر جديا في إخراج أبنائها من التعليم، لكي يشاركوا في توفير متطلبات أسرهم، إما بتعلم حرفة، أو بالتوجه إلى العمل الحر، لأن هناك نماذج ناجحة في المجتمع، وتمتلك نفوذا ماليا رغم أنها لم تنل حظها من التعليم، ومع رفع التكلفة فإن هؤلاء سوف يجدون المبرر لعدم إلحاق أولادهم بالمدارس، دون شعور بالذنب”.

ويضاف إلى إشكالية مضاعفة التسرب، على خلفية خفض مجانية التعليم، أن أكثر الأسر البسيطة قد تتجه إلى دفع بناتها إلى الزواج المبكر لتخفيف الأعباء الأسرية. وبحسب جهات رسمية فإن عدم تعليم الفتيات، على رأس أسباب تزويج القاصرات في المناطق الريفية والشعبية والحدودية، ما ينذر بزيادة الانفجار السكاني، فضلا عن خطورة أن تكون الأم دون تعليم، أو غير قادرة على تكوين أسرة بناءً على أسس علمية وثقافية وتوعوية.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، سعاد منصور، أن التلاعب بمجانية التعليم يشكل خطرا على الاستقرار الأسري، لأن نظرة الآباء للدراسة سوف تكون سطحية، ويكون الجهل عندهم مصحوبا بمبررات مقنعة، وأكثر الأسر تفكر بمنطق “لماذا تذهب الفتاة إلى المدرسة وينفق عليها ثم تذهب إلى بيت زوجها؟ فلتذهب إليه دون تعليم”.

ويدعم هذا الرأي عماد سيد أحمد، وهو سائق تاكسي بالقاهرة، تحدث مع “العرب” بنبرة غاضبة وقال “لديّ ثلاث فتيات، أصغرهن عمرها 6 سنوات، واثنتان في مرحلة التعليم الابتدائي. ألحقتهن بالمدارس على مضض، وأعتبر زواجهن أهم، فما بالك إذا تحملت تكاليف الدروس الخصوصية، مع تكاليف المدرسة بعد إلغاء مجانية التعليم؟ قطعا سيكون القرار النهائي تزويجهن مبكرا”.

ولا يبالي هذا الأب بأن تكون بناته أمهات وهن جاهلات، ويبرر ذلك قائلا “ما باليد حيلة”، لكنه يعتبر أن خطورة مجانية التعليم تكمن في أن الحكومة سوف تزيد معدلات التمييز في المجتمع، لأن الطفل الذي تضطر أسرته إلى إخراجه من التعليم لن يكون سويا، بل سيكون عدوانيا تجاه الآخرين، بعدما حالت الظروف المادية لأسرته دون أن يكون مثل أقرانه الذين أكملوا تعليمهم لتوافر المال لدى أسرهم.

معروف أن أكثر الأسر التي تشجع أطفالها على التسرب من التعليم في مصر، من الفئات غير المتعلمة التي تعتبر تعلم حرفة أهم بكثير من التعلم، ما يعني أن التمادي في تحميل هؤلاء أموالا فوق طاقاتهم نظير تعليم أبنائهم، يعني المزيد من الأمية داخل الأسرة والمجتمع، باعتبار أن الأطفال ضحايا لجهل الآباء، وهو مؤشر مرشح للزيادة جراء امتلاك أرباب الأسر الدوافع الكافية لعدم تعليم الأبناء.

وتوضح منصور لـ”العرب”، “إذا قررت الحكومة خفض أو إلغاء مجانية التعليم، فإنها بذلك تعاقب أطفال الأسر البسيطة، لأن الابن سيكون مطالبا بجمع المال، وبالتالي نشر ثقافة عمالة الأطفال على نطاق واسع، أما الابنة فستصبح عبئا ثقيلا على أسرتها إلى حين بلوغها، وزواجها قبل السن القانونية، وفي الحالتين ستصل الأميّة بين الأسر إلى مستويات قياسية، لأن الصغار سيتحولون إلى أرباب أسر لا تؤمن بالتعليم”.

21