الحرمان من النوم والإفراط فيه تعطيل للقدرات الجسدية والذهنية

الأربعاء 2014/07/02
الاختلال في عمل الساعة البيولوجية له تأثير محسوس على الحالة الصحية للإنسان

العوامل الوراثية، تناول الطعام غير الصحي، وقلة ممارسة التمرينات الرياضية، قد تكون أسبابا مباشرة للإصابة بإمراض العصر كالسكري من النوعين الأول والثاني والسمنة وأمراض القلب والشرايين وربما أنواع معينة من السرطان. لكن الأبحاث الجديدة أثبتت (ضلوع) عامل آخر لم تسلط عليه الكثير من أضواء البحث العلمي؛ وهو قلة النوم.

سواء أكان الأمر يتعلق بالاستيقاظ فجراً للحاق بالعمل مبكراً أو قضاء ساعات المساء وجزء من الليل في العمل، فإن المحصلة النهائية تأتي على حساب ساعات النوم الفعلية التي يتوجب على الأفراد في الأحوال الطبيعية الالتزام بها، للاحتفاظ بمستوى معين من اللياقة الصحية.

يسمي متخصصون هذا النوع من الحرمان، بمتلازمة النوم خارج حدود الساعة البيولوجية للجسد؛ ويحذرون من أن المتطلبات المتزايدة للثقافة المجتمعية التي تحض الأفراد على العمل المتواصل لتلبية احتياجاتهم، من شأنها أن تعطل عمل الساعة البيولوجية للجسم أو تربكها في أقل تقدير.

ويرى الدكتور راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب في جامعة أكسفورد البريطانية، بأن العديد من الناس لا يدكون حتى بأنهم محرومون من النوم، فإذا كان الأفراد بحاجة إلى ساعة منبهة لإيقاظهم صباحاً، فهذه إشارة إلى أنهم لم يحصلوا على قسط كاف من النوم أو بمعنى آخر؛ فهم يتواجدون خارج حدود ساعاتهم البيولوجية.

تتمثل وظيفة الساعة البيولوجية، في تنبيه الأفراد بضرورة الاستيقاظ أو الذهاب إلى النوم في ساعات معينة، إلا أن هذه الوظيفة قد تتسع لتشمل تنظيم ضغط الدم وعملية التمثيل الغذائي إضافة إلى درجة حرارة الجسم، ولذلك، فإن الاختلال في عمل الساعة البيولوجية لا يؤدي إلى التعب فحسب بل إن له تأثيرا محسوسا في الحالة الصحية للإنسان.

المتطلبات المتزايدة للثقافة المجتمعية التي تحض الأفراد على العمل المتواصل من شأنها أن تعطل عمل الساعة البيولوجية للجسم

ويؤكد الدكتور فوستر، على أن الاستيقاظ مبكرا جدا – مثلاً- خارج الساعات المتعارف عليها وفي الوقت الذي تكون فيه الساعة البيولوجية في حالة خمول، يؤدي إلى زيادة الضغط على أعضاء الجسم لتوليد التوازن المفقود وذلك لتحفيزها على العمل إلى أقصى طاقتها لتهيئة الجسم لفعل الاستيقاظ؛ حيث تزداد ضربات القلب عن معدلها الطبيعي ويتم ضخ الكلوكوز في مجرى الدورة الدموية لحث العضلات على العمل وتدخل بقية الأعصاب الحسية والحركية في حالة إنذار وما يصاحب هذا من ضغوط نفسية.

أما تكرار هذه العملية على المدى البعيد، فمن شأنها أن تؤدي إلى اضطراب في وظائف الأعضاء وإضعاف جهاز المناعة، وبالتالي الإصابة بالأمراض. فضلاً عن ذلك، يعتقد الدكتور أخليش ريدي، وهو استشاري الأعصاب في جامعة كامبريدج البريطانية، بأن تعطيل الساعة البيولوجية أو إرباكها يتسبب في تعطيل دورة انقسام الخلايا؛ وهي العملية المسؤولة عن إنتاج خلايا جديدة مشتقة من القديمة.

إذا كان الأفراد بحاجة إلى ساعة منبهة لإيقاظهم صباحا فهذه إشارة إلى أنهم يتواجدون خارج حدود ساعاتهم البيولوجية

ويمثل الاضطراب في عملية تقسيم الخلايا من الناحية العملية مسبباً قائماً لحدوث مرض السرطان. في حين، أشارت دراسة حديثة إلى أن الإفراط في النوم شأنه شأن الحرمان من النوم، بإمكانه أن يؤثر سلباً في صحة الأفراد خاصة في فئة منتصف العمر (من 50 إلى 64 عاماً).

وأكدت نتائج الدراسة التي رصدت قرابة 9000 مشارك من الجنسين في هذه الأعمار تحديدا، بأن النوم أقل من ست ساعات أو أكثر من ثماني ساعات في اليوم يؤثر سلباً في آلية اتخاذ القرارات إضافة إلى آثاره المدمرة على الذاكرة. أما التأثير السلبي للإفراط في النوم لدى فئة كبار السن (65- 89) عاماً، فيقتصر على إضعاف القدرات الذهنية عموماً. وعلى الرغم من أن الدراسات السابقة قد أكدت على التأثير السلبي للحرمان من النوم على وظائف الجسم وخاصة المتعلقة منها بالدماغ؛ إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تتم الإشارة فيها إلى التأثير السلبي للإفراط في النوم.

من جانبه، يؤكد الدكتور مايكل ميلر المشرف على الدراسة في جامعة وارويك البريطانية المتخصصة في الأبحاث، بأن هذه النتائج تشير إلى أن حاجة الناس لساعات نوم معينة تعتمد في الأساس على أعمارهم، كذلك فإن الآثار السلبية المتعلقة باضطرابات النوم، والإفراط والحرمان وغيرها قد تختلف من شخص إلى آخر بحسب فئاتهم العمرية، إضافة إلى أن ساعات النوم المنتظمة والكافية قد تقي كبار السن مثلاُ من بعض أعراض تردي الحالة الذهنية المرتبطة عادة بالتقدم في السن، وربما يؤجل أو يخفف قليلاً من أعراض الخرف.

في العموم، يوصي متخصصون بضرورة تخصيص 6- 8 ساعات يومياً للنوم للاحتفاظ بتوازن جسدي وذهني مقبول، حيث ثبت بالأدلة العلمية بأن هناك علاقة وثيقة بين عدد ساعات النوم وجودة المهارات المعرفية؛ إذ أن أخذ قسط كاف من النوم أمر ضروري، حيث يقوم الدماغ نفسه أثــناء نوم الجسد بعلمية تطهير ذاتي للتخلص من السموم التي تراكمت أثــناء النهار في ساعات اليــقظة.

وعلى الرغم من هذه النتائج المثيرة للجدل، لم يتضح بعد لماذا قد يتسبب الإفراط في النوم بكل هذه المشكلات الصحية خاصة المتعلقة منها بالمقدرة الذهنية. إحدى النظريات التي حاولت الاقتراب من تفسير مقبول لهذه الحقيقة، أكدت على أن الإفراط في النوم يؤثر في نوعيته حيث تمثل الساعات الطويلة مجرد (سبات) لا قيمة له وليس من شأنه بالتالي، تحقيق الهدف الفعلي من النوم؛ الراحة وتجديد النشاط الجسدي والذهني.

20