الحروب الكلامية بين الكبار تحل محل الدبلوماسية

الطبقة السياسية حين تلعب على ورقة الشعبوية، لا تتوانى في استخدام أساليب قد توصف بالمنحطة في نظر المراقبين، وهو أمر يسوغه بعضهم ويلتمس له الأعذار باسم التحدث بلغة عامة الناس.
الاثنين 2019/09/09
لا أسرار لدينا

خاطئ من يظن بأن لغة الردح السياسي تخص بلدان العالم الثالث وحدها، فالحروب الكلامية المتبادلة بين زعماء الدول الكبرى والتي تحولت إلى ممارسة شبه يومية ولعلّ تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المستفزة لخصومه على توتير خير مثال على ذلك، تؤكد توظيفا متعمدا للشعبوية وشخصنة للخلافات السياسية، بغاية تبرير سياساته الداخلية والخارجية، لكسب ود المؤيدين وحفاظا على القاعدة الانتخابية.

الملاحظ أن وتيرة التصريحات النارية والحروب الكلامية بين رؤساء الدول والحكومات، والتي تبلغ حد التجريح الشخصي وتناول الخصوصيات، قد ارتفعت في الفترة الأخيرة، وكادت تحلّ محلّ الدبلوماسية المعتمدة ـ بطبيعتها التي وُجدت لأجلها ـ على منطق التفاوض ونبرة الهدوء في حل القضايا العالقة، بعيدا عن جمهور العامة، الذي بدأ يسخر، بدوره، من هذا “الردح السياسي” الذي من شأنه أن يقلل من مكانة أصحابه، ويجعلهم عرضة للسخرية والاستهزاء، فكأنما نحن إزاء “خناقات نسائية في حارة شعبية” وليس أمام حكّام مؤتمنين على مصالح شعوبهم بمنتهى الرصانة والمسؤولية.

الغريب أن هذا الأمر يخص زعماء الدول الكبرى أكثر من غيرهم، وبات سلوكا سياسيا معتمدا على مواقع التواصل الاجتماعي، أرسى تقاليده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتغريداته التي أصبح لها جمهور ومتابعون ومتحمسون، في تكريس لثقافة أميركية تعتمد “الأكشن” واستفزاز الخصوم.. تماما مثل نجوم المصارعة الاستعراضية في الولايات المتحدة. ولعل أفضل دليل على هذا التماهي بين

حلبتي السياسة وهذا النوع من الرياضة الاستعراضية، هو انتخاب نجم المصارعة الاستعراضية، غلين توماس جاكوبس، والمعروف بـ”وحش الحلبة المقنع”، السنة الماضية، بمنصب عمدة في ولاية تينيسي الأميركية، متفوقا على المرشحة الديمقراطية ليندا هيني، رغم إسهاماتها المهمة في مجالي التعليم والبنية التحتية.

وبالعودة إلى هذه الظاهرة التي لم تكن مألوفة بين الزعماء في الأداء السياسي والمشهد الإعلامي ـ بدليل أن التاريخ يحتفظ بالنادر والطريف منها أثناء الحرب الباردة بين القوتين في ستينات وسبعينات القرن الماضي ـ نجد أن “الردح السياسي” صار ممارسة يومية، وأشبه بالتقليعة التي على سياسيي اليوم اتباعها لكسب ود مؤيديهم في نوع من الشعبوية التي تضرب عرض الحائط بأصول الدبلوماسية، والرد عبر القنوات التفاوضية المتزنة خلف الأبواب المغلقة، وبعيدا عن الكاميرات وجمهور الفضوليين.

فتوّة سياسية

 يوعز بعض المحللين لظاهرة الحرب الكلامية وشخصنة الخلافات بين زعماء الدول الكبرى، هذا السلوك إلى نوع من الشفافية والمصارحة التي تقتضيها اللعبة الديمقراطية، على اعتبار أن الممارسة السياسية لم تعد ضربا من “أسرار الآلهة”، وحكرا على “محفل سراني” لا يتلفظ بقراراته وانطباعاته إلا أمام خاصة الخاصة بل أصبحت فعلا إداريا أكثر أنسنة ومصارحة، وارتباطا بأمزجة أصحابها وطباعهم، وفق مبدأ “لا أسرار لدينا”.

وفي المقابل، يقول قائل معلقا على هذه “الفتوّة السياسية” بين زعماء كان الأجدر بهم إعطاء المثال في التحلي بالحكمة والهدوء والتروّي: أما كان الأنفع، الرد عن طريق القنوات

لعبة ديمقراطية
لعبة ديمقراطية

الدبلوماسية، والالتزام بآداب الكياسة واللباقة أم أن هذا صار يُعدّ من اللغة الخشبية التي أفل عصرها وسط متغيرات تتميز بالوضوح الشديد؟ هل أن الدولة صارت تُختصر في شخص حاكمها ومحيطه العائلي وكأننا في عصر الأباطرة والقياصرة الذين كانوا يخوضون خصوماتهم الشخصية، ويمارسون نزواتهم الانفعالية باسم الشعب؟

السؤال الأهم الذي يفرض نفسه أمام هذه الحروب الكلامية بين زعماء الدول، والتي جانبت الموضوعية، وحلت محل الدبلوماسية السياسية هو: ما حدود الاختلاف والائتلاف بين الخاص والعام، وهل أن على أي شعب أن يصطف خلف رئيسه المنتخب ويدافع عنه ظالما أو مظلوما، وذلك على اعتبار أن كرامة أي حاكم من كرامة شعبه، خصوصا في الديمقراطيات التي تختار فيها الأغلبية رئيسها بعيدا عن منطق الوصاية والحكم الشمولي؟

لا شك أن وسائل الاتصال الحديثة وهيمنة وسائل الاتصال الاجتماعي قد أرخت بظلالها على ثقافة العصر، وأصبح من الممل أن تتابع “بيانات سلحفاتية” صادرة من وزارة خارجية هذا البلد أو ذاك، عند حصول خلاف سياسي. أصبحت السرعة في الأفعال وردود الأفعال هي سمة العصر، وضمانة لمتابعتها من طرف الجمهور العريض، كما أن أساليب الرد ينبغي لها أن تكون على قدر كاف من التكثيف والحسم، و”العدوانية الممزوجة بالطرافة” إن لزم الأمر.. أليس هذا هو جوهر الثقافة الأميركية في عمقها الشعبي، والتي يحاول ترامب تسويقها على طريقة لاعبي المصارعة الاستعراضية؟

يقول منطق هذه الرياضة التي يتحمس لها الجميع في الولايات المتحدة: قبل أن تعتلي الحلبة، يجب أن تكون مدجّجا بالشتائم والاستفزازات.. أصرع خصمك لفظا قبل أن تبطحه أرضا.. حاول أن تشخصن كل شيء وتكسب ود جمهورك من خلال الاستهزاء.

ولكن مهلا، ثمة من يتعمد جرك إلى المناكفات الشخصية، ويسحبك إلى منطق الشخصنة وأنت تروم الحديث في رأي عام، تراه جوهريا وجديرا بالخوض فيه من منطلق الحرص والمسؤولية.. أليست السياسة هي مسؤولية الفرد إزاء المجموعة؟

 منطق الشخصنة

هذا ما يقوله ـ أو يحاول قوله ـ لسان حال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تجاه الحملة التي يشنها عليه الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، والتي بلغت على صفحته في الفيسبوك، حد السخرية من زوجته بريجيت ماكرون (66عاما)، معلقا “الآن تفهمون لماذا يقوم ماكرون بملاحقة بولسونارو، إنها الغيرة”، كما قارن بينها وبين زوجته ميشيل بولسونارو البالغة 37 عاما.

كل هذه الحملة جاءت إثر إلقاء الرئيس الفرنسي باللوم على رئيس البرازيل، في حرائق الأمازون ويتهمه بالكذب بشأن سياسة تغير المناخ، فرد عليه الأخير بأنه صاحب “عقلية استعمارية”. المشاحنات بين الرئيسين أقحمت نساء البرازيل في المشاجرة المستمرة، إلى جانب دخول مسؤولين في الحكومة على الخط. وردّا على سؤاله عن الواقعة في مؤتمر صحفي قال ماكرون “إنه أمر محزن، إنه أمر محزن له أولا وللبرازيليين.. النساء البرازيليات يشعرن بالخزي على الأرجح من رئيسهن”. وتابع قائلا “لأنني أكن الكثير من التقدير والاحترام لشعب البرازيل، آمل أن يصبح لديهم رئيس أهل للمنصب في القريب العاجل”.

الأدهى والأمر في حروب التصريحات الكلامية بين زعماء الدول، أن ساحة المعركة تتسع لتجند آخرين يدينون بالولاء لهذا الرئيس أو ذاك، اعتقادا منهم أنهم يدافعون عن سمعة البلاد في شخص حاكمها. ولا يختصر الأمر على العامة بل قد يضم نخبا سياسية وثقافية كما ورد في تصريحات وزير التعليم البرازيلي، وكذلك كاتب برازيلي، إذ وصف الوزير أبراهام وينتروب، في سلسلة تغريدات ماكرون بـ”الانتهازي والأحمق” وقال “ماكرون ليس على مستوى هذا النقاش. إنه انتهازي أبله يسعى للحصول على دعم اللوبي الزراعي الفرنسي”. وأضاف “فرنسا بلد التناقضات، لقد أنجبت رجالا مثل ديكارت وباستور، وأيضا متعاملين مع النازيين إبان الحرب العالمية الثانية” كما وصف ماكرون بأنه “رئيس بلا شخصية ويجب التصدي له”.

ونعت الكاتب البرازيلي، أولافو دي كارفاليو، ماكرون باسم “ماكروكون” أي “ماكرون الأحمق” وروج له على تويتر. هذه الحروب الكلامية بين الدول الكبرى، سبق لها أن نزلت إلى أدنى من هذا المستوى بكثير في نماذج كثيرة للخلافات الحادة حول قضايا سياسية، سرعان ما تأخذ بعدا شخصيا، وتنحدر إلى درجات الشتيمة والتجريح الشخصي، والنيل من ثقافات الشعوب وتقاليدها.

الردح السياسي صار ممارسة يومية، وأشبه بالتقليعة التي على سياسيي اليوم اتباعها لكسب ودّ مؤيديهم في نوع من الشعبوية التي تضرب عرض الحائط بأصول الدبلوماسية

ولعل أنصح مثال على ذلك في العقدين الأخيرين، هو ذلك الهجوم الأميركي الشرس على السياسة الفرنسية أثناء حرب العراق 2003 في شخص وزير خارجيتها فريدريك دي فيلبان، حين عارض الغزو. ووصلت الشتائم في الإعلام الأميركي حد التهجم على كل رموز الثقافة الفرنسية دون أن تستثني حتى النبيذ والأجبان، بالإضافة إلى التجريح الشخصي لشخص دي فيلبان ووصفه بـ”لافاش كيري” (اسم جبنة فرنسية وتعني البقرة الضاحكة)، ففي الوقت الذي وصلت فيه المفاوضات إلى الطريق المسدود، بدأ السباب في لغة أقل ما توصف به بأنها “شوارعية”. خاطئ من يظن بأن لغة “الردح السياسي” تخص بلدان العالم الثالث وحدها، ظنا منه بأن لغة “ما تحت الزنار” كما تقول العامة، مقتصرة على الفئات الشعبية العاجزة على استخدام المنطق الرصين والحوار الهادئ، ذلك أن انفعال النخب السياسية والثقافية، يحاول أن يؤلب ويجر وراءه هيجان الجماهير عبر استخدام مفرداتهم وطرقهم في الشتيمة والتشفي.

الطبقة السياسية حين تلعب على ورقة الشعبوية، لا تتوانى في استخدام أساليب قد توصف بالمنحطة في نظر المراقبين، وهو أمر يسوغه بعضهم ويلتمس له الأعذار باسم التحدث بلغة عامة الناس وجمهور الناخبين في عصر “العنتريات السياسية”.

عربيا، لسنا في منأى عن هذا المنطق التأليبي في لغة السياسة، والتاريخ القديم والحديث يورد المئات من نماذج الردح السياسي، والنزول إلى لغة السوقة عبر تحريك العصبيات والغرائز، وإيقاظ الفتن. ولعل قناة “الجزيرة” القطرية، أبرز نموذج لهذا الأسلوب الذي يبحث في الشأن الشخصي لخصوم قطر السياسيين، ويحاول تهييج البسطاء من محدودي الثقافة وإثارتهم ضد هدف بعينه.

قيل إن الحروب العسكرية تطل برأسها حينما تعجز الدبلوماسية عن أداء مهامها، أما اليوم، فالحروب الكلامية بين الزعماء السياسيين، تحضر ـ ولنفس السبب أيضا ـ ولكن بغاية التجنيد الشعبوي بدل التجنيد العسكري.

6