الحروب وأفلام الكرتون.. مصادر لمخاوف الطفل

الثلاثاء 2013/10/01

يواجه بعض الأطفال في سنوات طفولتهم المتأخرة بعض المشكلات، التي تبدو ظاهريا بأنها ذات علاقة وثيقة بسنوات الطفولة المبكرة؛ ففي الوقت الذي يبدو فيه طفل في سن ما قبل المدرسة أو حتى أصغر من ذلك، متوازنا بصورة واضحة ومتمتعا بليالي نوم مستقرة وهادئة، فقد يعاني في مرحلة طفولته المتأخرة من الكوابيس الليلية المرعبة؛ مثل الخوف من الوحش المختبئ تحت السرير، الخوف من الظلام أو الخوف من الوحدة ليلا.. هذه المخاوف وغيرها قد تداعب مخيلة الأطفال في سن الثامنة وربما التاسعة أو العاشرة من العمر، على الرغم من تطور نموهم العقلي والإنفعالي والذي يسمح لهم بالتفريق بين الواقع والخيال.

ويؤكد متخصصون في علم نفس الطفل بأن هنالك مايسمى بـ"المخيلة الحية"، التي تأخذ الطفل في أحيان كثيرة إلى عوالم غير واقعية.. هذه المخيلة تتغذى، من خلال برامج التلفزيون والانترنت والكتب والصحف المحملة بأخبار الحروب والكوارث، بكمية لا تنضب من المعلومات والرسائل، التي يحفز أغلبها مخاوفه الكامنة ويظهر له الأحداث والأشياء بصورة مضخمة، فيبدو العالم أمامه أكبر بكثير من حقيقته، خاصة إذا كان وحيدا، من وجهة نظره، في مواجهة هذا العالم من دون أن يجد والديه إلى جانبه لتطمين مخاوفه. وتؤكد الدكتورة باتريشيا شيتس أستاذة التربية الإرشادية في جامعة ألباما في برمنغهام، المملكة المتحدة، بأن الخوف من الظلام والخوف من إمكانية الإنفصال عن الأبوين أو التعرض لأذى من قبل بعض الغرباء.. ربما تكون أموراَ طبيعية تفرضها طبيعة المرحلة العمرية التي يعيشها الأطفال في سن الطفولة المتأخرة، بحيث تسيطر عليهم في الغالب فكرة وجود أمور سيئة قد تصيبهم في هذا العالم، حيث يتعذر على الأهل في بعض المرات توفير الحماية اللازمة لهم.

من ناحية أخرى، قد يحاول الطفل في هذه السن استعراض بعض أحداث يومه بكل مخاوفها قبل خلوده إلى النوم، وهو بذلك إنما يقلد الكبار الذين يفعلون الشيء ذاته ليواجهوا مخاوفهم في صورة كوابيس.. بعض الصغار يواجهون خلال النهار أحداثا ومخاوف تستثير اهتمامهم وقلقهم؛ مثل أحداث الحروب التي تدور في العالم، أو جرائم القتل التي تتناولها الصحيفة المحلية.. في حين قد يمثل ظهور شخصية كرتونية مرعبة على مسرح برنامجهم التلفزيوني المحبب، حدثا غير سار.. هذه جميعها تمثل مصادر لا تنضب لكوابسهم الليلية.

ويؤكد خبراء التربية على أهمية الدور الذي يلعبه الأهل في مثل هذه الحالات لترويض مخاوف أطفالهم.. حيث يتحتم على الأبوين تطمين هذه المخاوف ومحاولة تبسيط الأمور إلى أقصى حد ممكن؛ فلا بأس مثلا إن أخبرنا الطفل بأن مخاوفه من أحداث الحرب التي تدور في قارة بعيدة عن بلده تفصله عنها آلاف الكيلومترات لا مبرر لها، كذلك فإن معظم القصص الكرتونية ليست لها أي صلة بالواقع، بل هي مجرد قصص مفبركة من الخيال، وهكذا فالخطر الذي تقل احتمالات وقوعه سيفقد عنصر التضخيم والمبالغة في خيال الطفل وبالتالي يفقد أهميته تدريجيا.

كما يبرز دور الأهل كثيرا في هذه المرحلة، في مساعدة الطفل على مواجهة مخاوفه والتـعامل معها أيضاً؛ ويفضل في هذا الخصوص أن يتم جذب انتباهه إلى مواضيع مفيدة يمكنها تلطيف مزاجه في الساعات التي تسبق النوم؛ مثل قراءة قصة مسلية أو مشاهدة فيلم أو برنامج تلفزيوني، مع محاولة تجنب القصص التي تحمل طابع المغامرة والتشويق والعنف، مثل قصص "هاري بوتر الساحر"، أو متابعة أفلام كرتون لشخصيات خيالية خارقة مثل "سوبر مان"، أو "الرجل الحديدي".. حيث تمثل هذه المصادر بالرغم من ظاهرها البسيط كأفلام رسوم متحركة، صورا مزعجة لكوابيس محتملة خاصة إذا كان الطفل يمر فعلا بمرحلة الخوف.

من ناحية أخرى، يمكن لبعض الحيل أن تأتي بنتائج جيدة، مثل حمام دافئ.. وموسيقى هادئة.. بعض التعديلات في ديكور الغرفة، بإضافة صور الشخصيات الكرتونية المحببة أو المشاهد الطبيعية الهادئة.. وضوء خافت بألون هادئة وربما محاولة تشجيع الطفل على الاحتفاظ بلعبته المفضلة، وخاصة الألعاب ناعمة الملمس كالدب أوالدمية المفضلة (للإناث)، إذ أن بلوغ الصغار سن التاسعة أو العاشرة لا يمنعهم من الاحتفاظ ببعض طقوس طفولتهم المبكرة. فضلا عن ذلك ربما تخصص الأم بضع دقائق تقضيها في غرفة الطفل لتجلس على سريره وتشاركه حكاية ما قبل النوم، وقد يكون لذلك فعل السحر حيث يبعد عنه الأفكار المخيفة.

ولا بأس في أن تسمح الأم لطفلها أو طفلتها بالنوم لفترة قصيرة في سريرها بين الحين والآخر حتى تهدأ مخاوفهم، من دون أن يكون لهذا أي تأثير سلبي على نمو الصغار وتطورهم الإنفعالي، بحسب خبراء ألتربية، ولعل استغلال هذه اللحظات في التحدث إلى الطفل ومحاولة سبر أعماقه، والتعرف إلى مخاوفه خطوات مهمة في هذا الخصوص.

من ناحية أخرى، يرى علماء النفس بأن تمارين الاسترخاء التي يستخدمها الكبار، قد تكون مفيدة عند استخدامها مع الطفل الذي يعاني مثل هذه المخاوف والكوابيس، فحين يتم تحفيز خيال الطفل في هذا المجال، يمكن أن تكون النتائج أكثر جدوى مقارنة بالكبار، حيث يمكن لخيال الطفل أحيانا أن يعمل بصورة أكبر وعلى مساحة أوسع، وفي اللحظة التي تطلب فيها الأم من الطفل إغلاق عينيه واستخدام خياله، سرعان ما تتفتح أمامه عوالم جديدة من السحر وجنان مليئة بالأزهار ومدن ناعمة من خيال مليئة بحكايات محببة.. ومن دون شك، فإن عالم الخيال الذي يحكمه الطفل، لا يرحب بوجود الشخصيات المخيفة والأحداث الصادمة.

21