الحروب والصراعات أبواب تفتح على قيم ثقافية جديدة

الناقد رامي أبوشهاب يرى أن القيم تخضع للتشكيل ما بعد الحداثي، فهناك قيمة إيجابية ينبغي حفظها، ولكن البعض ينظر إليها على أنها قيم سلبية.
الثلاثاء 2018/03/27
ما هي القيم البشرية (لوحة للفنان سعد يكن)

تصاعدت ظاهرة التناقضات واختلطت الأوراق وتردت المفاهيم وارتفع الضجيج بين النخب على اختلافها واختلاف مستويات حضورها داخل النظم أو خارجها، وذلك في ظل الحروب والصراعات الدائرة في المنطقة العربية والإقليمية، حتى بات أمر الكثير من القيم والثوابت موضع شك وريبة في ظل التفاعل الواسع لمجتمعات مواقع التواصل الاجتماعي، لينعكس ذلك على المستوى المجتمعي العام وعلى المثقفين خاصة. وانطلاقا من هذا كانت فكرة هذا التحقيق حول أسباب التداخل والتعارض بين المثقفين.

يؤصل الناقد والأكاديمي رامي أبوشهاب لمفهوم القيم، مؤكدا أن مفهوم القيم في الثقافة العربية الإسلامية يرتبط بدلالة الديمومة، والمثمن، ولهذا ينبغي ألا تخضع للتغيير الذي من شأنه أن يفقدها خصوصيتها، غير أن كلمة القيم التي تعود إلى جذر يوناني- فرنسي، والتي تعرف بالأكسيولوجيا، وتعني علم القيم، قد خضعت للكثير من التفسيرات بدءا من العصر اليوناني، غير أن هذه الحقل اتخذ معاني أخرى على يد الفلسفة الألمانية، ولا سيما نيتشه الذي نزع عنها شيئا من قدسيتها، ولا سيما في ما يتعلق منها بالأخلاقي، ومن هنا، فقد بدت القيم موضوعا إشكاليا، ولكن في هذا العصر تبدو شديدة التعقيد، كون عالمنا الحالي شديد التحول، وذلك انطلاقا من تحول القيم الثابتة، إلى قيم سائلة.

عملية معقدة

مكمن الإشكالية وثقلها يكمنان في تغير القيم أو نشوء قيم جديدة نتيجة العلاقة المستجدة بين الإنسان والعالم الافتراضي

يرى أبوشهاب أن القيم تخضع للتشكيل ما بعد الحداثي، فنحن لا نختلف حول تصنيفها، فهناك قيمة إيجابية ينبغي حفظها، ولكن البعض ينظر إليها على أنها قيم سلبية، فعلى سبيل المثال الحرية، إذ تبدو قيمة لا يختلف عليها اثنان على أنها مثمنة، ولكن بعض المجتمعات ترى فيها فعلا مناقضا لقيم أخرى، وخاصة حين ترتبط بواقع المرأة التي ينظر إلى تحررها على أنه خروج عن بعض القيم، فحريتها تعني خرقاً لهرمية ثقافية ما، وهذا ينسحب على حرية التعبير عن النفس، ففي عالم عربي تسوده الفوضى والاقتتال، بالتجاور مع أثر مواقع التواصل الاجتماعي التي أفرزت سلوكيات جديدة لم تكن رائجة في أزمنة سابقة، فالمنافسة، والطموح، والوطنية، حين تتحول إلى فضاء عام تنتج كراهيات، بل إن مواقع التواصل الاجتماعي قد أفرزت فهما جديدا للقيم بحيث بدأت تصاغ من خلال وعي جماهيري، وكما نعلم فإن الجماهير تفتقر للوعي النقدي حيث يمكن أن تتخلى عن عقلانيتها نتيجة الحماس الذي ينتج بفعل الحشود.

ويؤكد الباحث في الشأن السياسي سامح فوزي أن القيم والثوابت أيا كانت لا تتغير بسهولة؛ وتحتاج إلى مدى زمني طويل، وقال “السياسات تتغير لأنها نتاج تصورات صاحب القرار؛ ولكن تغير القيم عملية معقدة تدخل فيها عوامل متشابكة في مدى زمني طويل. أما أسباب تغير القيم فمتعددة وتصعب إحالتها إلى سبب واحد، أولها تحولات سياسية جذرية؛ مثل الصراعات والنزاعات التي تجبر الشخص على تغيير نمط القيم. ثانيا التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. ثالثا التغيرات التقنية والتكنولوجية مثل سيادة ثقافة الشاشة مما أثر سلبا على العلاقات الاجتماعية التي تقوم على الاتصال المواجهي. رابعا التغير في التعليم نتيجة الانفتاح على مجتمعات أخرى.

وترى الروائية آن الصافي أنه تحت الضغوط الاقتصادية يتغير تركيب المجتمعات وتتغير الأعراف، وتقول “إن تغيير الثقافة السائدة من أصعب الأمور ولكنه يصبح سهلا حين يرتطم بواقع ومعطيات جديدة. منها تقنيات التواصل الحديثة وسهولة والتنقل بين الأمكنة والسفر ولتوفر المدن الحاملة للثقافات المتنوعة (الكوزموبوليتان)”.

وينفي الروائي والمترجم المصري أحمد عبداللطيف أن يكون هناك تغير في القيم وأثبت أن ذلك يشكل زيادة في الوعي ويقول “أحدثك هنا عن الحالة المصرية، فمثلا ما فعلته ثورة يناير أنها فتحت العيون على قيم جديدة بالنسبة إلى البعض، لكنها كانت موجودة دون أن تجد سندا مجتمعيا، هذا التغير الأيديولوجي ليس معناه تغير في القيم، بل إدراك لحقوق المواطن والمواطنة. الثورات والحروب تخلف وراءها التجربة، ودون التجربة والخطأ لا تتعلم المجتمعات”.

التكنولوجيا هي السبب

العالم بصدد ثورة جديدة، لا تغير فقط من آلية عمل الأشياء، بل تغير من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الأشياء من حولنا أيضاً

يتحدث المفكر المغربي إدريس كثيرا عن أزمة القيم في المغرب قائلا “لا يمكن للمرء إلا أن يستاء مما يقع في المغرب مؤخرا، إنها حالة استثناء غير معلنة أو الأصح معلنة بلغة أخرى غير اللغة القانونية. إننا استثناء في محيطنا لا نشبه إلا أنفسنا في الانتخابات، في الرياضة، في الأعياد، في التعليم، في الحب، في القتل، في الشذوذ. أصبحنا نمارس كل هذه الأنشطة والاستحقاقات وهذه التقاليد وهذه الابتلاءات بطريقة غريبة عنيفة. لماذا وكيف انفجر كل هذا الكبت فينا؟ هناك العديد من الأسباب المتضافرة في ما بينها لا محالة. لكن سأعزل سببا وجيها وعميقا هو في نظري السبب الرئيسي في هذه الثورة التي مست ذواتنا في حميميتها وعبثت بقيمنا على علاتها. سبب يملك من الشمولية والتأثير ما لا تملكه كل التقنيات الكلاسيكية، إنها شبكات التواصل الاجتماعي المعاصرة. ما إن غزت فضاءنا حتى تلمسنا أطرافنا واندلعت بواد التغير والتحول الجذرية كالنار في الهشيم، معلوم أن لهذه الشبكات جوانب إيجابية وأخرى سلبية. الأولى ذات طابع تثقيفي تعليمي والثانية ذات طابع ترفيهي قد يصل إلى حد التفاهة”.

يشير الشاعر والأكاديمي كامل فرحان صالح إلى أن مقاربة الإشكالية مقاربة موضوعية تتسم بالدقة، من المسائل الصعبة، ويقول “إن ما نشهده اليوم من قيم وثوابت هو نتيجة سياقات متداخلة ومركبة وفي الوقت نفسه، معقدة. لكن هذا لا يعني أن الحروب والصراعات لم تنتج قيما جديدة، فمثلا من نتائج الحروب الأهلية الداخلية، ظهور شريحة اللصوص ‘الشطار’ وبروز ‘حديثي النعمة’ أو ‘الأغنياء الجدد’.. وهؤلاء ينتجون قيما تفتقر إلى المعنى الاصطلاحي للقيم، وثمة قيم تظهر مع مد التعصب الديني، فيحوك أتباع هذا التوجه من نسيج الدين قيما ويقومون بإدخالها مع أنسجة أخرى تعبّر عن انغلاقهم وأنفسهم المريضة. لكن مكمن الإشكالية وثقلها يكمنان في تغير القيم أو نشوء قيم جديدة نتيجة العلاقة المستجدة بين الإنسان والعالم الافتراضي المعبر عن تقدم التكنولوجيا وتداخل الثقافات، فالإشكالية مردها حداثة هذه العلاقة، فهي بعمر السنوات المعدودات، وبالتالي يصعب الحديث عن ولادة قيم، لأن القيم لتكون قيما تحتاج إلى مرور زمني وممارسة راسخة”.

وخلص الباحث إيهاب خليفة، رئيس وحدة متابعة التطورات التكنولوجية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، إلى أن العالم بصدد ثورة جديدة، لا تغير فقط من آلية عمل الأشياء، بل تغير من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الأشياء من حولنا أيضاً، أي أنها تؤثر على المنظور المعرفي والنسق القيمي الذي يحكم رؤية الإنسان لنفسه ولمن حوله وللعالم أجمع. ويتساءل الباحث ماذا عن قيمة “الخصوصية” في ظل قيام الأفراد بأنفسهم بوضع معلوماتهم الخاصة على الشبكات الاجتماعية؟ وماذا عن قيم “الأسرة” التي تم اختزالها في غروب على الواتس آب؟ وماذا عن قيم “السيادة” في ظل حصول شركات تكنولوجيا المعلومات على كافة مواطني الدول؟ فهل ستكون مصيرا محتوما على الأفراد أن يواجهوه بما يحمل في طياته من قيم مادية نفعية تصب في مصلحة المجتمعات الغربية المنتجة على حساب المجتمعات الاستهلاكية، أم أنها فرصة لإعادة اكتشاف الذات؟

15