الحروب وتشويه الطفولة والأجيال

الأربعاء 2013/12/18

لا تكتفي الحرب بتدمير الأمكنة والمدن، بل تنسف بنية المجتمعات، وتزرع الهشاشة فيها لعقود تالية، وذلك لما تنطوي عليه من مخاطر مستقبلية، وذلك بعيداً عن التفتّت الذي تبثّه بين ثنايا أفراد المجتمع، ودفعهم جميعاً إلى استعداء بعضهم بعضاً، بحيث يكون كلّ طرف متأهّباً للانقضاض على الآخر ومتربّصاً به، ويسعى إلى القضاء عليه لأنّه يرى فيه العدوّ الذي لا تبارح إصبعه الزناد في محاولة للإيذاء به.

شراسة الحرب وفظاعتها لا تكمن في تخريب معالم المدن فقط، بل تتجلّى بشاعتها في تخريب النفوس وتعكير المستقبل وإفساد أجيال لاحقة برمّتها. ولعلّ التضحية بالأطفال في الحرب هي من أسوأ الظواهر التي تتنامى على هامشها، إذ يتمّ تجنيد الأطفال لغايات حربيّة وفي مهام ميدانيّة وعسكرية، دون أيّة مراعاة للطفولة وبراءتها التي تلوّثت بالحقد والدماء.

الأطفال هم أكثر ضحايا الحروب تأذّياً وتشتّتاً وضياعاً، ذلك لأنّهم يفقدون براءتهم الواقعيّة، وتتشوّه القيم الجمالية في أعينهم، وهم يشاهدون المناظر المرعبة وهول المجازر الكارثية، ويجدون أنفسهم مرغمين في هذا المعسكر أو ذاك، كما يكونون مستهدفين بناء على النيّات المبيّتة والظنون بأنّهم سيصبحون محاربين مستقبليين أو قتلة مجرمين، لذلك تهدَر دماؤهم، ويصبحون برسم القتل أو مرهونين له وقيد الاقتناص.

وما يزيد الأمر إيذاء وتعقيداً هو مشاركة كثير من الأطفال في الأماكن التي تشهد حروباً ونزاعات مسلحة في المعارك، ليسدّوا نقصاً في العناصر، أو ليؤدّوا مهامّ بسيطة بداية، لحين الاعتياد على مشاهد القتل الوحشيّة، فيغرقون في وحول السلاح وربّما يجد البعض منهم نفسه مبتهجاً بحالته الجديدة، حيث يوضع في صفّ واحد مع الرجال، يدخّن مثلهم، يقتل مثلهم، وكأنّه استبق الزمن وأصبح رجلاً، ولاسيّما أنّ القيم الإنسانية في أوقات الحروب تفقد معانيها الحقيقية، لتحلّ محلّها قيم الثأر والانتقام والقتل والتصفية.

جيل الغد يفقد براءته، أطفال المستقبل يقعون ضحية الأسلحة والحروب والنزاعات التي يجدون أنفسهم في أتونها، وهذا ما يزرع المستقبل بالكثير من الألغام الموقوتة التي ستنفجر تباعاً لاحقاً، وذلك حين يصبح أولئك الأطفال من حملة السلاح إلى متحكّمين برقاب الناس وزمام الأمور، لأنّهم حينها سيكونون متسلّحين برغبات القتل والانتقام والبحث عن إرواء الغرائز العدوانية والهمجية دون أي ضابط أو رادع، ولاسيما أنّهم يحرمون من العلم وحنان الأهل والتوعية المطلوبة، ما ينذر بتلغيم المجتمعات التي شهدت هذه الحالة بالكثير من الرجال المستقبليين الأشرار، هذا إن لم يتمّ إسعافهم وإنقاذهم من جنون السلاح والعسكرة وشراسة المعارك والقتال.

من المؤكّد أنّ المسألة تستدعي الكثير من التأني والتدبر بغية الوصول إلى المعالجة المنشودة، وهذا بدوره يتوقّف على تعاضد القوى وتشاركها لإنقاذ الطفولة من هول الجريمة المستمرّة بحقّها وحقّ المجتمع والمستقبل معاً. كما أنّ ذلك قد يغدو نقطة لاكتساب العبر واستلهامها، بحيث يصبح بعض حاملي السلاح منادين بنزعه ومفصحين عن أحوال الملوّثين به من الأطفال الذين تجب توعيتهم وإعادة براءتهم المفقودة إليهم، أو إيقاف تشويههم والسعي لترميم جراحهم وأرواحهم.

سعى عدد من الأدباء إلى تناول ظاهرة تجنيد الأطفال في الحروب والمعارك، وانطلق هؤلاء من معايشتهم للظاهرة أو مشاركتهم فيها، كحالة السيراليوني إشمائيل بيه الذي شارك في المعارك لأكثر من سنتين حين كان في الثالثة عشرة من عمره، وكتب عن تلك التجربة المريرة القاسية التي كان يقتل فيها بوحشية المجرمين وفقد طفولته التي لم يهنأ بها. كما قارب جوانب من هذه الظاهرة الأفغاني عتيق رحيمي في عمله “حجر الصبر”، وكان مواطنه خالد الحسيني قد سبقه إلى ذلك في عمله “عداء الطائرة الورقية”، وكذلك السويسريّة آغوتا كويستوف في عملها “الدفتر الكبير”.

من خلال تلك الحالات التي تعكس مشاهد واسعة من حياة الشعوب التي تجد أنفسها في مستنقعات الحرب، يظل جيل الأطفال الأكثر تأثّراً وضياعاً، لأنّهم يفترض أن يكونوا أمل الغد والمستقبل، لكنّهم يصبحون وقود الحرب ويحرقون في جحيم الحاضر، ومن هنا تتجلّى الفجيعة المستقبلية بضياع مستقبل البلاد لأنّ عسكرة الطفولة إفساد لها وتأثيم لبراءتها وتجريم لصفائها ونقائها. لكن ربما يكون الجانب الأكثر إيذاء وإيلاماً هو السؤال الواقعي عن أهوال الحرب، وهل يبقى في ميدان الاقتتال الأخوي مجال للتفكير ومتّسع التدبّر وإنقاذ الطفولة، أو لأيّ شيء آخر..؟


كاتب وروائي سوري

9