الحروب ومشاهد العنف تجرد عالم الأطفال من مشاعر الأمان

تعاني العديد من المجتمعات من التهديد الممنهج لأفرادها والمتعلق بغياب الأمان وتنامي الحاجة إلى الحماية، وسط أحداث مؤلمة ودامية تستهدف الإنسان في كيانه النفسي والأسري من حروب وثورات وقوافل هجرة وضياع وأنواع لا حصر لها من الموت اليومي.
الأربعاء 2015/09/09
الآثار الكبيرة التي تتركها صور الحروب في عقول الأطفال وأرواحهم لا يمكن تجنبها

وضع عالم النفس الأميركي، إبراهام ماسلو، نظرية فريدة ومتميزة في علم النفس ركز فيها على أبرز الدوافع والحاجات الإنسانية التي تفسر طبيعة سلوك الفرد ودوافعه، ورتبها وفق نظام تصاعدي حسب أهميتها بما أطلق عليه فيما بعد هرم ماسلو للحاجات؛ ووزع الحاجات بحسب أهميتها، حيث وضع في قاعدة الهرم الاحتياجات الفسيولوجية ثم الحاجة إلى الأمن والأمان بما في ذلك السلامة الجسدية والأمن الوظيفي وأمن الممتلكات، يتبعها حسب الأقل أهمية من ذلك الاحتياجات الاجتماعية والحاجة إلى المكانة الاجتماعية، إضافة إلى الحاجة إلى تقدير الذات.

أما الحاجة إلى الأمان فقد اندرجت ضمن الضرورات الملّحة بعد الحاجة إلى الطعام والشراب والنوم وغيرها من متطلبات العيش البشرية، ولعل أهم الحاجات التي تتعلق بالأمان هي السلامة الجسدية من العنف والاعتداء.

فإذا لم تطلنا آلة الخراب فيمكنها أن تجد طريقها إلى حياتنا من خلال وسائل الإعلام المتنمرّة، فتتحول الأحداث الدامية إلى كائنات حية تشاركنا حياتنا اليومية لتطال أطفالنا مثلما تطالنا، فإذا ما نجحنا في تحصين أنفسنا من لسعات حقائقها المؤلمة فكيف لنا أن نحجب تأثيراتها عن مشاعر أطفالنا التي مازالت طرية لم تتهيأ بعد لاستيعاب هذا الكم الهائل من العنف؟ وكيف سنمنع عنهم هبوب عواصف من مشاعر متضاربة للتعاطف مع الضحايا والخوف والقلق، والخشية من أن تطالنا مصائرهم في يوم ما والأهم من ذلك، تلاشي الشعور بالأمان وهو من أهم الحاجات الإنسانية التي درج ماسلو وغيره من علماء النفس في التأكيد على أهميتها بحياة الناس.

المراهقون يعبرون عن مخاوفهم بطرح العديد من الأسئلة، حيث يعبرون عن قلقهم في ما يتعلق بمستقبل حياتهم

ويؤكد الدكتور يوجين بيرسن، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد، على أن الحروب وأحداث العنف تكاد لا تغادر حياتنا من خلال واجهة وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التقنية الحديثة، بطريقة لا يمكن الخلاص منها حتى وإن حاولنا دفن رؤوسنا في الرمال لتجاهل ما يحدث، أما الآثار الكبيرة التي يمكن أن تتركها مثل هذه الصور الحزينة في عقول أطفالنا وأرواحهم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تجنبها، لكن التقليل من آثارها قد يحقق فائدة مهمة إذا ما حاولنا أن نعزز فيهم ثقتهم بأنفسهم وفي العالم الذي يعيشون فيه، حيث تضعنا أمام مسؤولياتنا كآباء ومربين في مواجهة واجب يحتم علينا حماية هؤلاء الصغار للخروج من دائرة مخاوفهم ووضع مشاعرهم المضطربة في إطارها الصحيح.

وتظهر بعض الأعراض والانتكاسات النفسية على الصغار والتي قد تسبب لهم اضطرابات في النوم، التبول اللاإرادي، وربما يطرأ تغيير سلبي على سلوكهم فيبدون أكثر عدوانية وتذمراً، لهذا يتفق متخصصون في علم النفس على أنه بالإمكان تلافي هذه المشكلات والحد من آثارها على شخصية الطفل وسلوكه في المستقبل.

ويرى بيرسن أن حماية الأطفال صغار السن تكمن بمحاولة تجنيبهم الإطلاع على الأخبار السيئة في وسائل الإعلام المختلفة قدر الإمكان وعلى الرغم من صعوبة هذا الخيار لكن لا بأس من المحاولة، إضافة إلى تشجيعهم على البوح بمشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم فيما يتعلق بالأخبار التي تصلهم بالمصادفة أو الصور البشعة التي يلمحونها ربما في أجهزة الكمبيوتر أو في دفاتر أصدقائهم بالمدرسة، والعمل على تطمين مخاوفهم وإقناعهم بأن الأمور ستسير على ما يرام وبأنهم دائما سيكونون تحت رعاية وحماية الأهل.

وسائل الإعلام المتنمرة تحول الأحداث الدامية إلى كائنات حية تشاركنا حياتنا اليومية لتطال أطفالنا مثلما تطالنا

أما االمراهقون، فتبدو الأمور معهم أكثر تعقيدا، حيث يعبّر هؤلاء عن مخاوفهم بطرح العديد من الأسئلة التي لا يجيد الأهل غالبا الإجابة عليها، حيث يعبّرون عن قلقهم في ما يتعلق بمستقبل حياتهم بالدراسة أو العمل وكيف ستكون عليه الأمور، وهل سيواجهون صورا مماثلة من العنف وربما تتسع دائرة تساؤلاتهم لتشمل معنى العدالة وأحقية استخدام العنف وحقوق الضحايا، وغيرها من الأسئلة التي تفصح عن عمق تأثرهم بالأحداث وفقدانهم للشعور بالأمان.

وينصح بيرسن الأهل في هذه الحالة بإشراك المراهق في الحوارات والنقاشات التي تدور حول هذه المواضيع أو التعليق على ما يرد من أخبار في برامج التلفزيون، ليكون لهم هامش الحرية للتعبير عن مخاوفهم وقلقهم ومحاولة إيجاد تفسيرات وربما حلول لها، كما يمكن للأهل أن يعبرّوا عن مشاعرهم في الاتجاه المقابل ويمكنهم أيضا أن يشاركوا أبناءهم بعض وجهات النظر والمواقف المعلنة تجاه حالات ومشاهد العنف هذه.

وبحسب ماسلو، فإن الأمان وإن جاء في المرتبة الثانية من حيث أهميته في حياة الإنسان، فإن إشباع الحاجات الأساسية (المرتبة الأولى)، مثل الغذاء والماء والنوم، قد لا يحقق غرضه وأثره من دون تحقيق الأمان وإشباع حاجة الفرد إلى الأمن بكافة أشكاله وأهمها الأمان الجسدي والشخصي فضلا عن الأمان النفسي.

21