الحروف الأربعة وآخر قصيدة للشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد

الخميس 2016/04/21
الشاعر عاشق الحرية

كان لا بد لك أن ترحل، ليعرف الأعداء حجمهم الحقيقي، وليعرفوا أيضا أنك تركت وراءك وأمامك جندا من الكلمات وترسانة من المواقف لن تهزم ولن تموت.

رحيلك كان متوقعا، كان أمرا طبيعيا في ظرف غير طبيعي، منذ زحف الجراد على

هذه البلاد التي أعلنت عليها الحب، في حين أعلن عليها أعداؤك الحرب، رحيلك كان أكثر من متوقع فأنت طائر نادر، طائر عاشق للحريّة -حدّ اتهامك بالفوضوي- طائر يسعى بالشعر وبغزارة العواطف وبرهافة الإحساس إلى بناء أعشاش من الحب والجمال في كل نخل الجنوب وسنابل الشمال. في كل حبة رمل على ساحل هذه البلاد، في كل حبة عرق تصببت من جبين كادح وكادحة.

كيف لك ألا ترحل وقد أوغل الأوغاد في تكفيرك ونهش لحمك حيا كما أدمنت الزواحف المتربصة ببيض شعرك في كل عش أن تدس الموت في كل عيش؟

كيف لك أن لا ترحل، أنت الذي طالما رحلت بنا، أخذتنا إلى عوالم لا نصل إليها بأي وسيلة نقل، إلى عوالم سبك الكلمات وصياغة المعاني المبطلة لمفعول متفجرات العقول المتكلسة؟

كنت أعرف أنك راحل، بل كنت متأكدا وعاهدت نفسي ألا أحزن لرحيلك، لكني حزنت، كان خبر سفرك فوق الاحتمال، لم أستطع حبس دموعي وأنا أقرأ لك آخر ما كتبت:

1

"سلمت في الدنيا...

وقلت: أ كونها:

شعرا

ونثرا

ناقدا

ومبشرا

طول الفصول الأربعه.....

2

أنثى

وأمي

...........................

ليس لي.... قبر

في المــا- بعد

( في الأخرى)

سوى هذي الحروف الأربعه

تونس"

عاهدت نفسي ألا أحزن لرحيلك، لكني حزنت، ليس لأنه لم يعد بمقدوري ملاقاتك وجها لوجه –نحن نلتقي روحا بروح - بل حزنت لأن الذين أزعجتهم بشعرك طويلا وكثيرا صار بوسعهم اليوم أن يطمئنوا بعد رحيلك قليلا. عزائي أنك ستلتقي بــــ: أبي القاسم الشابي ومنور صمادح وصالح القرمادي والطاهر الحداد وعلي الدوعاجي وشكري بلعيد وناجي العلي ومحمود درويش وغسّان كنفاني ونزار قباني وبابلو نيرودا وفولتير ورامبو.

هــم أصدقاؤك، لا يحصى لهم عدد، أما أعداؤك فاطمئن، ستتكفل بهم الحروف الأربعة: تـــــونــــس.

15