الحريات العامة في تونس في ظل التشدد الديني

الخميس 2017/06/08

ما زالت “الحركاتُ المسرحية” المصورة الموثقة بالفيديو التي قام بها رئيس حزب دينيّ في الأسبوع الأول من شهر رمضان، متهجما صحبة عدد من أنصاره على المقاهي المفتوحة وعلى المفطرين فيها، تسيل الحبر وتلقى التنديد الصريح أو التأييد المحتشم في الصحافة المكتوبة خاصة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها هذا “الرقيب الرمضاني” المسمى عادل العلمي بمحاولة “فضح” المفطرين بتصويرهم ونشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي بل هو يقوم بذلك منذ سنة 2015. على أن ما يقوم به ليس منعزلا عما يحدث من “رقابة دينية” على الناس لا نشك في أن للإسلام السياسي يدا فيها.

ومن مظاهر هذه الرقابة أمر رئيس بلدية بإحدى ضواحي العاصمة بغلق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان رغم أن المكان سياحي بامتياز. بل إن المسألة قد تجاوزت التشهير الديني المصطبغ بالسياسة إلى القضاء، بعد أن قضت محكمة الناحية ببنزرت في حكم ابتدائي بالسجن مدة شهر على أربعة أشخاص كانوا يدخنون في حديقة عمومية، والتهمة هي “التجاهر بالفحش”، باعتبار التجاهر بالإفطار في رمضان “فحشا”.

ومثل هذا الحكم يصدر لأول مرة في تاريخ تونس المستقلة رغم أنه لا يوجد نص في التشريع التونسي يجرم المجاهرة بالإفطار في رمضان، بل إن القاضي قد تأول فصلا من المجلة الجزائية هو الفصل 226 ونصه “يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ثمانية وأربعون دينارا كل من يتجاهر عمدا بالفحش”، وهو كما يلاحظ فصل قانوني مدني وليس دينيا. ويُلاحظ أن القاضي الذي أصدر الحكم لم يطبق الفصل تطبيقا تاما لأن العقوبة كانت شهرا سجنا مع تأجيل التنفيذ. وقد أثار الحكم مع ذلك انتقادا شديدا إذ استنكرته أحزاب ومنظمات واعترض عليه محامون وحقوقيّون.

ولم تمرّ هذه الانتقادات دون رد من نقابة القضاة التي ترى “أن القانون التونسي خوّل للقاضي سلطة مطلقة في تطبيق النص القانوني ومكنه من حرية الاجتهاد شريطة التعليل تحملا منه لمسؤوليته. كل ذلك مع احترام ضوابط النزاهة والأمانة والشرف وتحت رقابة محاكم الدرجة الأعلى، بما يجعل من التشكيك في الحكم مسا من هيبة القضاء وشرف القضاة”.

ولا شك أن النقابة محقة في التذكير بـ“ضوابط النزاهة والأمانة والشرف” التي ينضبط بها القاضي في أحكامه ولكن المزعجَ في كل عمل إنساني- سواء كان في القضاء أو في السياسة أو في الاقتصاد أو في الثقافة- هو “السلطة المطلقة” التي تُعْطى للمجتهد في تطبيق النصوص لأن أي “سلطة مطلقة” في أي مجال كان لا بد أن تغْرِيَ صاحبها في ظرف ما من الظروف بالانحياز.

وما قام به رئيس حزب الزيتونة يندرج في صميم ما يدعو إليه الإسلام السياسي بتونس. وقد تأسّس هذا الحزب سنة 2013، وأراد له مؤسسه الذي يرى نفسه “وسطيّا” أن يكون “بديلا للنهضة التي خيبت آمال التونسيين” لأنها لم تنجح في “اعتماد مبدإ التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور”.

و“المبادئ” التي يسعى هذا الحزب إلى تطبيقها هي نفسها المبادئ التي أرادت النهضة منذ سنة 2011 تطبيقها لكنها صُدَّتْ عن ذلك صدّا حتى أجبرت على الخروج من السلطة. ولكن خروجها من السلطة كان خروجا مؤقتا لأنها عادت إليها نتيجة “سياسة التوافق” التي سمحت لها بأن يكون لها حضور في الحكومة وفي دواليب الدولة وأن تنجو من المحاسبة على الأخطاء المرتكبة أثناء فترة الترويكا، وأن تواصل ما كانت قد بدأته في سنوات حكم الترويكا الثلاث من التمكين للإسلام السياسي في تونس.

ومهما يكن من أمر فإن ما قام به رئيس حزب الزيتونة إنما يندرج في تحركات الإسلام السياسي الدينية التي لم تستطع النهضة المجاهرة بها بحكم ارتدائها لباس “الحزب المدني” الذي ترك شعار “الإسلام السياسي” وأبدله بشعار جديد هو “الإسلام الديمقراطي”. ولكن هذا “الإسلام الديمقراطي” ما زال مجرد شعار يرفع، فإن حضور“الإسلام السياسي قوي في ما حصل في المدة الأخيرة وما يحصل هذه الأيام في البلاد التونسية من مضايقة للحريات العامة.

فهو لم يكن غائبا عما حصل في جربة من احتجاجات أمام مطعم سياحي تقدم فيه الخمرة، ولم يكن بعيدا عما حدث في الجمّ من احتجاجات على بيع الخمر العلني في محل مرخص له بذلك، وقد طالبت النهضة بسحب الرخصة منه حفاظا على الأمن العام، كما لم يكن غائبا عما حدث في صفاقس حول مسرحية “ألهاكم التكاثر” وقد قاد الحملة أحد أتباع النهضة هو إمام جامع اللخمي المعزول، ونعلم أن عزل هذا الإمام كان قد أدى إلى عزل الوزير الذي عزله، عثمان بطيخ، بتدخل من النهضة.

ويمكن أن ندرج مظاهر التشدد التي حدثت في ما انقضى من أيام هذا الشهر المبارك- مثل حملات عادل العلمي وغلق المقاهي في إحدى ضواحي العاصمة أو ما يحدث في المساجد في الجهات وفي العاصمة من تنصيب أئمة مكان آخرين أو التهجم في الخطب الجمعية على المسلسلات الرمضانية باعتبارها ممثلة لـ“ثقافة الاستهتار”- ضمن السلوك الديني المتشدد الذي حاول الإسلام السياسي إنْبَاتَه ورعايته في تونس منذ رجع إليها سنة 2011.

وليس من الغريب أن يقع هذا كله دون أن تتدخل السلطة العامة وكأن وقوعه أمر طبيعي لا يُحْدث اضطرابا للأمن العام ولا يقسّمُ المواطنين إلى كفرة ضالين ومؤمنين مهتدين. وليس هذا غريبا في ما نرى لأنه يلبي رغبات مُضْمَرَةً في نفوس شق من مكونات حكومة الوحدة الوطنية رغم أنه يمثل اعتداء على الحريات العامة التي يضمنها الدستور.

ولكن لا بد من الاعتراف أيضا بأن الدستور هو السبب الرئيسي لهذا الاضطراب، وخاصة في فصله السادس من الباب الأول الذي ذكرت فيه “حرية المعتقد والضمير”. وقد بينا في ورقة لنا سابقة (يوم 13 أبريل 2017) أن دستور يناير 2014 قد قام على “التوافق” بين شقين سياسيين: هما شق الإسلام السياسي الذي كان بحكم أغلبيته الحزبية مسيطرا على المجلس التأسيسي، وشق المجتمع المدني الذي كان بحكم تأييد عامة الشعب له معارضا قويا لمقولات الشق الأول. وقد ظهر أثر هذا التوافق في اشتمال الفصل على جمل منها ما يلبي رغبات الشق الأول ومنها ما يلبي رغبات الشق الثاني.

ومما يلبي رغبات الشق الأول جملتا “الدولة راعية للدين” و“تلتزم الدولة (…) بحماية المقدسات ومنع النيل منها”، ومما يلبي رغبات الشق الثاني جمل “الدولة كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي”، و“تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها”.

ويبدو من الجمل المذكورة أن ترضية الشق المدني أقوى وأغلب من ترضية الشق الديني، ولكن ذلك ليس صحيحا لأن أقوى جملة في الفصل كله هي “تلتزم الدولة (…) بحماية المقدسات ومنع النيل منها”، وهي تُسْقط كفالة الدولة لـ“حرية (…) ممارسة الشعائر الدينية” لأن كل تعبير عن الحرية في ممارسة تلك الشعائر- كالصوم مثلا- يندرج في نظر الإسلام السياسي ومناصريه في “النيل من المقدسات”، مثلما اعْتُبِرَ بيعُ الخمر العلني وتضمين آية قرآنية في عنوان مسرحية انتهاكا للمقدسات. وقد تتوسع قائمة “المقدسات” التي تُنْتَهَكُ في مستقبل الأيام إذا لم تتدخل الدولة بصرامة من الآن، فيُدْرَجَ في ما ينبغي محاربته الفنونُ بمختلف مكوناتها واختلاط الجنسين في المدارس وأماكن العمل والسياحة والسباحة وزيارة المتاحف… إلخ.

كاتب وجامعي تونسي

9