الحرية عند التيارات السياسية العربية

الاثنين 2016/01/11

من المفترض أن ثورات الربيع العربي قامت من أجل الحرية والكرامة والعدالة، بيد أن ذلك يفترض أيضا، الانتباه إلى أن التخلّص من النظم الاستبدادية شيء، وتحقيق المتوخّى شيء آخر. هذا يعني أن النظم التي شكّلت حاجزا صلبا أمام تطوّر الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي قد ترحل، لكنه يعني أيضا، أن الأحوال لن تتغيّر بسهولة أو دون تعقيدات ومعوقات.

وكما بيّنت التجارب فإن عمليات التغيير في الدولة والمجتمع وفي السياسة والثقافة والاقتصاد، قد تحتاج إلى سنوات، وقد تتعرّض لنوع من مقاومة ومعاندة من قوى النظام القديم، ومن شبكة البنى التي نسجها ورسّخها طوال العقود الماضية، كما من قوّة العادات والثقافات السلبية الكامنة في المجتمع. لكن كل ذلك لا يقلّل من ضرورة الثورة وشرعيتها وعدالتها، باعتبارها الطريق الاضطراري للذهاب نحو الإصلاح والتغيير ونحو المستقبل ومحاكاة العالم.

فوق كل ذلك فقد بيّنت التجربة أن الثورات في العالم العربي ستظل تكابد من مشكلة أساسية تؤثّر على مساراتها ومآلاتها، وهي المتعلقة بالإجابة عن معنى الحرية، لا سيما أن التيارات السائدة، العلمانية أو الدينية، الوطنية أو اليسارية أو القومية، كشفت عن ضعف تمثلها لهذا المعنى في إدراكاتها وسلوكياتها السياسية، وذلك رغم ميل معظمها نحو الديمقراطية.

هذه الإشكالية تضعنا في مواجهة مسارين مختلفين، الأول يجري فيه التشديد على الديمقراطية وتشكيل الأحزاب والانتخابات وتداول السلطة والاحتكام لإرادة الشعب باعتباره مصدرا للسلطة، والثاني يتم فيه الاشتراط على معنى الحرية وحدودها بالنسبة إلى المواطن الفرد، بدعوى خضوع الأقليّة للأكثرية وبدعوى الحفاظ على الخصوصيات والعصبيات الهوياتية (الدينية أو الإثنية)، لكأنّ الثورات تناقض نفسها.

يرى التيار اليساري الماركسي مثلا المجتمع تكوينا منمّطا من طبقات عدّة، فقط، لا باعتباره يتألف من مواطنين أحرار، مختلفين ومتعددين، على أساس أن الانتماء الطبقي يحدّد الوعي الطبقي، دون دراسة معنى الانقسامات الطبقية في مجتمعاتنا.

ولا يبدو التيار الإسلامي أحسن حالا، فهو بدوره يقسّم المجتمع على أساس ديني إلى مسلمين وغير مسلمين، فضلا عن التقسيمات المذهبية، ما يقوّض مفهوم الهويّة الوطنية والمواطنة المدنية والوحدة المجتمعية، التي تفترض المجتمع تعبيرا عن مجموع المواطنين الأحرار المتساوين أمام القانون وإزاء الدولة. وهذا التيار يعتقد بأن حصوله على أكثرية في الانتخابات يخوّله أخذ الدولة والمجتمع حيث يريد وفرض والتشريعات التي تتلاءم مع عقيدته الدينية على الدولة الدنيوية.

العلمانيون لا يشذّون عن هذه القاعدة فلديهم تقسيماتهم وهواجسهم، إذ يستكثرون على غيرهم الحرية وحتّى الديمقراطية، وحتى أن بعضهم يصل حدّ استمراء الاستبداد السياسي المغلّف بإطارات علمانية، كونه يضمن نمط عيشهم على الديمقراطية التي قد تحرمهم من ذلك.

نحن إزاء إشكالية عميقة بشأن معنى الحرية في الثورات العربية تنبثق من عدّة مستويات، بعضها سياسي نابع عن الغياب التاريخي للمشاركة السياسية، وعن الخضوع لأنظمة استبدادية لقرون. وبعضها اجتماعي اقتصادي ناجم عن ضعف التمدين وعن تخلّف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية. وبعضها ناجم عن سياسات “الهوية” في هذه المنطقة التي تعمل على ترسيخ الانقسامات العمودية (الدينية والإثنية)، وإضعاف مسارات الاندماج المجتمعي وتغييب المواطن الفرد.

ثمة أيضا أن الثورات الحاصلة هي الأولى من نوعها في تاريخ المجتمعات العربية، وهذه المجتمعات تتوخّى الدخول مباشرة في الثورة الديمقراطية، على خلاف التجربة الأوروبية، أي دون المرور في ثورة العلمنة وتحرير العقل، ودون الدخول في الثورات الليبرالية التي أدّت إلى تحرير الفرد بوصفه قيمة عليا وإلى اعتبار المواطن الوحدة الأساسية في المجتمع، وهما أمران لا يبدو أن بمقدور الثورات الراهنة تحقيقهما في ظل هيمنة سياسات الهوية والتنميطات الجمعية العمودية.

الديمقراطية في البلدان العربية ستبقى ناقصة، إذا لم تتطعّم بحمولات ليبرالية تتعلق بالحرية والمواطنة وإعلاء الإنسان الفرد، وضمن ذلك ضمان حقه في الاختيار والمساواة وتكافؤ الفرص.

كاتب سياسي فلسطيني

9