"الحرية مقابل المال" صفقة لتسوية وضعية رجال الأعمال المسجونين في الجزائر

السلطات الجزائرية أمام تحدي استرجاع الأموال المنهوبة من رجال الأعمال المورطين في قضايا فساد.
الثلاثاء 2019/09/10
مطالب متصاعدة بكشف حجم الأموال المنهوبة

تجد السلطات الجزائرية نفسها أمام تحدي استرجاع الملايين من الدولارات التي جرى تهريبها إلى خارج البلاد، ويطرح بعض رجال الأعمال المسجونين معادلة “الحرية مقابل المال” لتسوية وضعياتهم.

الجزائر - عاد الحديث بقوة إلى المشهد الجزائري في الآونة الأخيرة، عن الأموال المهرّبة من طرف رموز النظام السابق، لاسيما خلال الساعات الأخيرة قبل وبعد تنحي الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، خاصة بعد تطرق الإعلام الكندي والفرنسي إلى عشرات الملايين من الدولارات التي هُرّبت في تلك الأثناء.

وتطرقت وسائل إعلام كندية إلى ضرورة تحرك السلطات المحلية للنظر في حجم الأموال التي تدفقت على البنوك الكندية من رجال أعمال ومسؤولين في الدولة الجزائرية، وتحدثت عما يقارب 80 مليون دولار تم توطينها في بنوك كندية خلال الأشهر الأولى من العام الجاري.

وجاءت إثارة المسألة من طرف الإعلام الكندي، البعيد سياسيا وإعلاميا عن الوضع الجزائري، ليعزز حجم النزيف التي تعرضت له المقدرات الجزائرية خلال السنوات الماضية، لاسيما بعد الحديث عن تهريب نحو عشرين حقيبة من العملة الصعبة في الأيام التي تلت تنحي الرئيس بوتفليقة، من طرف رجل أعمال عربي.

وذكرت مصادر فرنسية أن “رجل أعمال عربي كان على علاقة وثيقة بالنظام الجزائري السابق، تمكن من تهريب نحو 20 حقيبة من الأموال، تم مرورها عبر الصالة الشرفية لمطار الجزائر الدولي، وأن ضبّاطا في أمن الرئاسة أمّنوا مرور رجل الأعمال وحقائب الدولارات دون أي عناء خلال الأيام التي تلت تنحي الرئيس بوتفليقة”.

ولفتت إلى أن توصيات من الرجل القوي آنذاك في السلطة شقيق ومستشار رئيس الجمهورية سعيد بوتفليقة، صدرت لضباط في أمن الرئاسة لمساعدة رجل الأعمال وكمية الأموال للخروج من الأراضي الجزائري، وهو ما كلف الضباط الستة عقوبة السجن لمدة عشرين سنة نافذة، صدرت بحقهم مطلع شهر أغسطس الماضي من طرف المحكمة العسكرية بالبليدة.

وأطلق محامون جزائريون حملة “جزائريون بلا حدود”، لتقفي واستعادة الأموال الجزائرية المهرّبة بمختلف العواصم والبنوك العالمية، وهو ما أثمر تجميد السلطات السويسرية لعدد من الحسابات والأرصدة المملوكة لأفراد من عائلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، بعد قبول سلطات جنيف للعريضة التي تقدم بها المحامي الهاشمي بلحسين.

مؤسسات جزائرية تجد نفسها أمام صعوبات بعد سجن أصحابها، ما حولها إلى بؤرة احتجاجات تزيد من تعقيد الوضع الاجتماعي

ودعا النائب البرلماني الاشتراكي سوماروغا كارلو، مجلس بلاده، إلى “تجميد وبصفة مستعجلة أرصدة عائلة بوتفليقة ومقربيها والمحققة من مكاسب غير مشروعة، وهذا للحيلولة دون تحويلها إلى وجهات أخرى، وهو ما يمكن من إرجاعها إلى الشعب الجزائري”.

ورغم الحملة المفتوحة على الفساد وسجن العديد من رجال الأعمال والمسؤولين الكبار في النظام السابق، على خلفية شبهات الضلوع في ملفات فساد مالي وسياسي، إلا أن الجزائريين ما زالوا يجهلون القيمة الحقيقية للأموال التي هرّبت للخارج بطرق غير شرعية لتوطّن في بنوك وعواصم عالمية، أو تستثمر في شركات الجنان الضريبية.

وكان كتاب “باريس والجزائر.. قصة حميمية” للصحافييْن الفرنسييْن كريستوف دوبوا وماري كريستيان تابيت، الصادر منذ ثلاث سنوات في بباريس، قد تحدث عن تحويل مسؤولين جزائريين مبلغا بقيمة 50 مليار يورو في شكل استثمارات ومدخرات وعقارات في أرقى الأحياء الباريسية والمدن الفرنسية.

وذكر مصدر مطلع لـ”العرب” أن رجل الأعمال القوي في نظام بوتفليقة،  علي حداد المسجون منذ عدة أشهر في المؤسسة العقابية بضاحية الحراش بالعاصمة، قد عرض مقايضة إطلاق سراحه بالتنازل عن أمواله وممتلكاته لصالح الخزينة العمومية، وهو الأمر الذي يطرح إمكانية لجوء السلطة إلى هذا الخيار، في ظل عدم جدوى سجن هؤلاء إذا لم تتم استعادة الأموال العمومية التي استحوذوا عليها.

Thumbnail

وتحدثت إحصائيات جزئية عن حصول مجموعة رجال المال والأعمال المسجونين في الحراش، على قروض بنكية تعادل نحو 11 مليار دولار، دون تقديم ضمانات حقيقية، وأن العملية تمت بتواطؤ مع مسؤولين كبار في الدولة، وعلى رأسهم سعيد بوتفليقة، الذي يبقى إلى حد الآن غير متابع في أي قضية تتصل بالفساد، وأن سجنه بالسجن العسكري في البليدة، يتصل بما يعرف بـ”التآمر على الجيش واستقرار مؤسسات الدولة”.

وفيما يبدي محامون ومختصون في القانون، تفاؤلا بشأن استرداد الدولة للأموال المنهوبة في الداخل، باللجوء إلى مختلف الآليات كالحجز والحجر وتأميم الممتلكات والعقارات والحسابات والأرصدة، إلا أن مسألة استعادة الأموال المهربة في الخارج تنطوي على تعقيدات كثيرة تقلص حظوظ استرجاعها وحتى جردها.

ودخلت المؤسسات المملوكة لرجال أعمال بوتفليقة في صعوبات إدارية واجتماعية معقدة بعد سجن أصحابها، مما حولها إلى بؤرة احتجاجات تزيد من تعقيدات الوضع الاجتماعي في البلاد، مما اضطر السلطة إلى تعيين متصرفين إداريين لتسيير شؤونها وضمان استمرارها.

إلا أن الوضع يبقى غامضا داخلها نتيجة محدودية مردوديتها ونجاعتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث يبقى مصير المجمع الإعلامي (الوقت الجديد) والنادي الرياضي اتحاد العاصمة مجهولا، بسبب فشل عروض بيعهما من طرف العائلة المالكة.

4