الحرية والقرود الثلاثة

الاثنين 2013/12/09

مثلي مثل باقي أطفال العالم، كانت جدتي- في ليالي الشتاء الطويلة- تحكي لي، وأنا تحت اللحاف الصوفي، حكاياتها الجميلة والطويلة طول ليالي الشتاء، وجمال ثلوجه المتراكمة فوق أسطح بيوتات دمشق. وأذكر أنها ذات ليلة، حكت لي حكاية قرود ثلاثة من ذوي الحكمة، وإليكم حكايتها:

في يوم من الأيام، التقى في أكمة صغيرة، ثلاثة من القرود، واتفقوا-وهم مقتنعون بحكمتهم- أن يذهبوا فينتشروا في الأصقاع ليفيدوا الكائنات الأخرى من ثمرات عقولهم. فانطلق الأول، نحو المدينة، وراح يتجول فيها، وكان في حالة من الهلع بسبب الازدحام وسرعة السيارات، وأصواتها…

وبينما هو يتجول، وقف أمام أحد دكاكين الألعاب، وراح يتحسس الدمى وغيرها مما هو معروض من ألعاب وحاجيات، إلا أن البائع نهره عندما أخذ بيده نظارة -وكان قد شاهد البياع يحمل مثلها في يده- فما كان من القرد، إلا أن أخذها وهرب بها راكضا، وعندما خلا إلى نفسه، في مكان قصي، وضعها وهو يلهث، فوق ذنبه، ودار حول نفسه صارخا، الآن أرى جيدا، وسأتكلم في حكمة عمق النظر.

أما القرد الثاني، فانطلق نحو الشرق، بعكس صاحبه الأول الذي انطلق نحو الشمال، ورأى وهو في طريقه، جماعة من القردة، فراح يلقي عليهم حكمته، ومنها: كيف تشعل النار بالقش من دون كبريت: فأمسك بيراعة طائرة، وقربها من القش، وأخذ وجماعته، ينفخون عليها، وفي هذه الأثناء رآهم غراب من فوق غصن شجرة، فصاح بهم أيها القرود الحمقى هذه يراعة لماعة، وليست نارا شعاعة، إلا أنهم، لم يحفلوا بكلامه، فاقترب واقترب، فما كان من حكيم القرود، إلا أن أمسكه وضرب به الأرض، وألقاه إلى أنصاره، فنتفوا ريشه.

أما الثالث من حكماء القرود وهو أكبرهم سنا، وأكثرهم حكمة… فاتجه إلى الجنوب، وفي طريقه مرّ على نهر، ورأى فيه سمكة، تتجه بعكس التيار، وتقفز حرة لاهية، فوق صفحة الماء، وأشعة الشمس تعكس على حرشفها ألوان قوس قزح، لماعة بهية.

إلا أن القرد، ظنها، خارجة عن المسيرة، أو أنها ثائرة على الاتجاه المرسوم لها في التيار. فما كان منه، إلا أن تسلق غصن شجرة قريبة، ومد يده إلى الماء، وأخرج السمكة، وقال لها:

- سأعيدك إلى التيار لتنطلقي في المسار الصحيح

= لا أريد العودة إلى التيار فإني أحب الحرية. وأتجه إليها

-الحرية باتباع قوة التيار

= التيار صنعه حوت ديكتاتور

- بطن الحوت آمن لك..

= الحرية هي الأمان وساتجه نحوها، وإن مت في سبيلها.

فما كان من حكيم القرود: إلا أن ضرب بها الأرض وهو يصرخ:

- خدي حرية، خدي حرية، هي هي الحرية يلي بدك ياها.

24