الحرية والكلمات

الأحد 2014/11/30

"كيف يمكن لـ"أمازون"، والتي كانت تُعدّ منقذة صناعة الكتب، أن تنتهي عدوّةَ الأدب الأولى؟"، سؤال أثارته مجلة "ڤانيتي فير"، في عددها الجديد (ديسمبر 2014)، تحت عنوان عريض: "حرب الكلمات".

تشي الصورة التي نشرتها المجلة، رفقة التقرير الذي كتبه كيث غينسين، الروائي والصحفي الأميركي، وأحد مؤسسي المجلة الأدبية الطليعيّة "ن+1"، بكثير ممّا دار، مؤخّرًا، بين "هاشيت"، عملاق النشر الفرنسي، وأحد الخمسة الناشرين الكبار (بنغوين، وماكميلان، وهابر كولنز، وسيمون آند شوستر)، وشركة أمازون، حول تسعير الكتب الإلكترونيّة والعوائد التي تجنى منها. تظهر الصورة جيشين متقابلين على كتاب مفتوح؛ كتاب الليڤيثان؛ الوحش الخرافيّ الذي يخرج من جوف البحر؛ موبي ديك العصر الذي يتبلع كلّ شيء.

لم تغب القصّة، هذه، عن بال أورسولا كيه. لو غوين، كاتبة الفنتازيا وقصص الخيال العلمي الأميركية الشهيرة، وهي تتلو خطابها المقتضب على النخبة التي اجتمعت في حفل تسلمها "وسام الإسهام المتميّز في الأدب الأميركي"، من القائمين على "جوائز الكتاب القومي"، والذي أقيم في أواخر نوفمبر 2014، حين قالت إن "الكتب ليست مجرّد سلع" وإنّ "محفّز الربح هو دائمًا في صراع مع مقاصد الفنّ". ولم يغب عن بالها، أيضًا، بأننا "نعيش في عالم رأسماليّ" مستبد، يطبق قبضته الخانقة حول أعانقنا، ولا فرار لنا من تلك القبضة المستحكمة إلّا بـ"المقاومة والتغيير" اللذين هما جوهر الفنّ عمومًا، خاصة الفنّ الذي تكتبه هي: "فنّ الكلمات".

وليست "المقاومة" التي تنشدها لو غوين سهلة التحقّق، في عالم، وصفته في خطابها، بالعالم الذي يضربه الخوف وتستحوذ عليه التكنولوجيا؛ عالم "الناشرين الغارقين في فزع سخيف من جهل وجشع" أولئك الذين "يتقاضون من مكتبة عموميّة، لقاء كتاب إلكتروني، أضعاف ما يتقاضونه من زبون" عاديّ.

ولكي يتحقق شرط "المقاومة" التي تنادي بها "لو غوين"، ونكون قادرين على عبور "الأيام العصيبة القادمة"، فإننا نحتاج، وفقًا لخطابها، إلى "كتّاب يستطيعون تذكّر الحريّة"؛ إلى "شعراء ورؤيويّين"؛ إلى صانعي الحقيقة التي هي أكبر من حقائق العالم كلّه.

فدون تلك "الرؤى" لا "أسس حقيقيّة للأمل". ولكي لا نرى الأدب "يباع في أسفل النهر"، تقول لو غوين، فإنه يتوجّب على الذين يعيشون من الكتابة والنشر، أن "يطلبوا حصّتهم الحقّة من المكاسب والعائدات".

وليست "الحصّة" التي تطالب بها لو غوين، وتسعى إليها، حصةً مادية أبدًا. هي تطلق عليها اسم "الجائزة الجميلة"، ثمّ تذكرنا بأنّ اسم تلك الحصّة المنشودة ليس هو الربح. "إنّ اسمها هو الحريّة".

ولم تكُن صرخة الحريّة، هذه، التي أطلقتها لو غوين، في حفل الجائزة، صرخة جديدة البتّة. فقد سبق لها أن انضمت إلى كتاب عالميين آخرين، في إدانه "تكتيكات" أمازون، ومحاولة سيطرتها، منفردة، على سوق الكتاب الإلكتروني. تحدثت النيويورك تايمز، في عددها الصادر في 29 سبتمبر 2014، عن قائمة من 300 كاتب عالميّ، من بينهم (إضافة إلى لو غوين نفسها): أورهان باموق، وميلان كونديرا، وفيليب روث، وسلمان رشدي، وفي. إس. نيبول. إضافة إلى المؤسسات التي ترعى أعمال روبيرتو بولانيو، وجوزيف برودسكي، ووليام بوروز، وألين جينزبيرغ، ونورمان ميلر، وصُول بيلو.

وفي النهاية، لم تخضع مجموعة "هاشيت" لسطوة أمازون وقبضتها المستحكمة، فقادت معركة قانونيّة طويلة شرسة ضدّها، فازت بها في منتصف نوفمبر من هذا العام، مانعة أمازون من رفع أسعار الكتب الإلكترونية، مثلما يحلو لها، لتحقيق أعظم مكاسب مادية يمكن تحقيقها. إلّا أن الحرب الضروس لم تنته بعد، مثلما أشار نفر لا بأس به من المهتمين بصنعة الكتاب، فالليفيثان كامن هذه المرّة، ولكنه متحفّز للخروج من الأعماق، بشراسة، والتهام كل شيء.


كاتب من الأردن

11