الحرية والمواطنة: السبيل إلى عالم خال من التكفير والتطرف الديني

كانت الرسالة الأهم في جلسات مؤتمر “الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل”، الذي يستضيفه الأزهر حاليًا بالقاهرة، برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب، هي أن ترسيخ المواطنة ليس مهمة رجال الدين وحدهم، بقدر ما يخص كل أتباع الديانات والمذاهب، وأن هناك دورًا للمثقفين والإعلاميين ورجال السياسة، بحيث يعمل كل هؤلاء في إطار واحد كجماعة واحدة متضامنة لإيقاف التطرف الديني والعداء العقائدي.
الأربعاء 2017/03/01
رؤية واحدة لمواجهة إرهاب لا يستثني أحد

عكس أكثرية المؤتمرات الدينية، التي عقدت طوال الفترة الأخيرة لمواجهة تمدد التطرف والإرهاب، كان المؤتمر الدولي الذي يختتم أعماله الأربعاء، أكثر جرأة في وضع النقاط على الحروف بشأن آلية التصدي للجماعات التكفيرية والتيارات الإسلامية المتشددة التي تغذّي الإرهاب، بتأكيده على أن تكريس المواطنة والتعايش المشترك بين الديانات الثلاث، الإسلامية والمسيحية واليهودية، هو السبيل إلى عالم مسالم وخالٍ من التكفير والتطرف الفكري والديني.

ولم يعهد الكثيرون أن يلجأ أحمد الطيب شيخ الأزهر، إلى مصطلحات جديدة في توصيف المتطرفين والتكفيريين، واعتبارهم “شرذمة العصر”، أو أن يلوّح بتخويف الديانات الأخرى، من أن انكفاءهم على أنفسهم، والصمت على ما يجري من تشويه لصورة الإسلام سوف يطولانهم قريبًا، وأن ظاهرة “الإسلاموفوبيا” سوف تتشعب لتطلق أذرعها لتصبح “المسيحيوفوبيا” أو”اليهوديوفوبيا”.

المؤتمر، الذي رأسه شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين، يشارك فيه البابا تواضروس الثاني، بابا الأقباط الأرثوذكس، ورؤساء الكنائس الشرقية، وعلماء ورجال دين، ومفكرون ومثقفون وأهل الرأي من المسلمين والمسيحيين، وذلك للتداول في قضايا المواطنة والحريات والتنوع الاجتماعي والثقافي.

أسباب التطرف والعنف والإرهاب كامنة في الطائفية وعدم احترام ثقافة الآخر أو ديانته، أو حتى حرياته الشخصية

وبدا من جلسات المؤتمر، أن هناك توجها لدى رجال الدين من مختلف الديانات، لوضع إطار يحمل شعار “المواطنة أولًا”، وعدم الارتكان إلى طبيعة الديانة لتحقيق التعايش بين مواطني البلد الواحد، وأن هناك إرادة حقيقية لنبذ التطرف والعنف والإرهاب والتكفير، بحيث يكون تكريس المواطنة هو البديل الوحيد عن تشنج التيارات الإسلامية.

حدد المؤتمر، جملة من المعايير التي يمكن من خلالها تكريس المواطنة في أي مجتمع يضم ديانات متعددة، وهي حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق العرض أو النسل، وحق الفكر. وقال الطيب، الذي نحّى توصيف “الجماعات المتطرفة” جانبًا طوال كلمته، واستبدلها بـ”الشرذمة”، إن تبرئة الأديان من الإرهاب لم تعد تكفي أمام الاتهامات المتوحشة، بل بات الأمر يستوجب ما هو أكثر، وهو التعاون والتعايش المشترك بين الأديان الثلاثة.

كلمات الطيب أتت في توقيت بالغ الحساسية، في ما يتعلق بتعايش المسيحيين وسط المسلمين، وذلك على خلفية ما جرى قبل أيام من تهجير للعشرات من العائلات المسيحية من سيناء (شمال شرق مصر) إلى محافظة الإسماعيلية المتاخمة لها، هربًا من بطش الجماعات المسلحة هناك، بعد قتل الإرهابيين 7 من هذه العائلات، بسبب ديانتهم.

وبرأ شيخ الأزهر الإسلام من أن يكون السبب وراء ما يحدث لباقي الديانات الأخرى، وقال “لا يمكن أن يكون الإسلام وحده سببًا في تدمير الدول وتشريد الناس وانتشار الهجمات الإرهابية، بل تكمن الأزمة في فهم حقيقة الدين ومغزى الأديان كلها ورسالة الأنبياء جميعًا”.

وطوال كلمته، أراد الطيب أن يقدم وصفة علاجية فحواها “المواطنة”، التي جعل منها حائط الصد المنيع لمواجهة ضرب الوحدة الوطنية في أي بلد يضم ديانات متعددة، لا سيما وأن نجاح أي تيار ديني في ذلك يكون بمثابة الدخول في دوامة الانهيار بالنسبة لهذا البلد. وتعمد شيخ الأزهر أن يتطرق إلى ما يحدث في سيناء، وما تردد عن مخطط لتنظيم “داعش” لتحويلها إلى ولاية داعشية، وأن ذلك لن يتم إلا بطرد الأقباط منها أولًا.

لم يكن حديث البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية، بعيدًا عما ساقه شيخ الأزهر، حيث جاءت كلماته أمام المؤتمر وكأنها مكملة للرسالة التي أراد الطيب إيصالها، وحصر تواضروس أسباب التطرف في “الطائفية وعدم احترام ثقافة الآخر أو ديانته، أو حتى حرياته الشخصية”.

وقال تواضروس“الإنسانية أضحت في أمس الحاجة إلى نشر المحبة وإقرار السلام الحقيقي بين الأديان، وإذا ما تحقق ذلك فسوف ينتهي الإرهاب بأوجهه العديدة، سواء كان بالمتفجرات، أو بالإرهاب الفكري، أو حتى (بالإرهاب) المعنوي من خلال بث رسائل عدائية من تيارات تجاه معتنقي ديانات بعينها”.

هناك توجها لدى رجال الدين من مختلف الديانات، لوضع إطار يحمل شعار “المواطنة أولًا”، وعدم الارتكان إلى طبيعة الديانة لتحقيق التعايش بين مواطني البلد الواحد

صحيح أن حديث تواضروس لم يتطرق إلى طبيعة هذه التيارات، لكن مراقبين اعتبروا أنه موجه إلى الجماعات السلفية في مصر، باعتبار أنها هي من تعكف على تشويه صورة الديانة المسيحية، وتحرض على مقاطعتها وعدم التعامل معها وتتخذ منها موقفا عدائيا.

ويرى متابعون للمؤتمر، أن ترسيخ فكرة المواطنة بمفهومها العميق، سوف يكون ضربة للجماعات الإسلامية بشكل عام، والتيار السلفي على وجه الخصوص، لكن ذلك يتطلب إرادة حقيقية على أرض الواقع من جانب رجال الدين في مختلف الديانات. وبحسب تلميحات عديدة ومشاورات جرت داخل المؤتمر، ما زالت هناك في مصر حتى الآن تيارات تحرض على الديانات الأخرى، وتعمل في العلن، في إشارة غير مباشرة إلى السلفيين، وأن ذلك من شأنه أن يقصي أي حل يهدف إلى ترسيخ المواطنة.

معظم المشاركين شددوا على أن ترويض هذه التيارات وعدم منحها أي غطاء شرعي لوجودها، هو البداية الحقيقية للعيش المشترك، بعيدًا عن ثقافة التحريض ونبذ الآخر على أساس ديني أو عقائدي أو فكري.

أكد عبداللطيف دريان، مفتي الجمهورية اللبنانية، أكد أن غياب المواطنة وإفساح المجال لهذه الجماعات المتطرفة (دون توضيح نوعها وهويتها الدينية) يزيدان من الشتات بين الديانات، وأن هذا الأمر يعود إلى انكفاء أهل الأديان على أنفسهم، وخوفهم من مواجهة تلك الجماعات فكريًا ووجوديًا، وهو ما يصدق على السواد الأعظم من المسلمين والمسيحيين.

الباحث العراقي المتخصص في التاريخ الإسلامي رشيد الخيُّون قال “مطالبة شيخ الأزهر، خلال مؤتمر “الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل” بتأكيد آيات القرآن الداعية إلى التسامح، هي دعوة لا يشك بصدقها أحد، ولا يعترض عليها معترض، فالكتاب الكريم يحوي الكثير من النصوص التي توجب التسامح والسلم، ولكن على شيخ الأزهر في الوقت نفسه، وفقهاء الإسلام الداعين لتأكيد هذه النصوص أن يراجعوا علم الناسخ والمنسوخ، فقد أصبح بحكم الناسخ والمنسوخ أن نسخت (ألغيت حكماً) العشرات من تلك الآيات، وبات المشرعون يحكمون وفق ذلك النسخ، ومنه ما يتعلق بحكم الرِّدة، الذي لا أصل له في الكتاب، ومنه معاملة غير المسلمين، ومنه نبذ الإكراه والإجبار على الرأي أو الدين. لذا أي دعوة إلى تأكيد نصوص التسامح ستصطدم بما عُرف بـ”الناسخ والمنسوخ”، فآية “السيف الخامسة من سورة التوبة نسخت أربع وعشرين ومئة آية، كلها تدعم روح التسامح والتعايش”.

13