الحريري.. من أزمة المال إلى عرش السلطة

تطرح تحركات زعيم تيار المستقبل سعد الحريري التي توحي بأنه ماض في مبادرة انتخاب رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون رئيسا للبنان، تساؤلات عديدة حول هذه الخطوات غير التقليدية التي يسير على نهجها الحريري، وكيف يمكن أن يفيد هذا الحراك، الذي لا يوافق كافة الأطراف الداخلية ولا يزعج تلك الخارجية، زعيم المستقبل ويفيد البلد.
الأحد 2016/10/09
لن أتخلى عن جلباب أبي

بيروت – يلفت مراقبون في العاصمة اللبنانية أن تحرك الرئيس سعد الحريري الأخير والذي يوحي بأنه ذاهب إلى الموافقة على انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية، يحمل في ثناياه بعدا جديدا وغير مسبوق في تاريخ الحريرية السياسية منذ ظهورها على يد المؤسس الراحل رفيق الحريري.

ويعتبر المراقبون أن حركة الحريري الابن تنطلق من ديناميات ذاتية لا تستند إلا على مقوّمات محلية خاصة باللعبة السياسية اللبنانية دون التسلّح بأيّ غطاء إقليمي أو دولي. وهذا التطوّر لم يعرفه اللبنانيون منذ الاستقلال عام 1943، والذين تعودوا أن يأتيهم وحي الخارج حاملا لهم التسوية الرئاسية على طاولة مداولات خارج الحدود بين القوى الإقليمية وتلك الدولية.

وفيما يستعر الخلاف السعودي الإيراني وذلك الأميركي الروسي حول شؤون المنطقة، يبدو حراك الحريري لا منطقيا بالمعايير التقليدية لإنتاج رئيس لبناني. ومع ذلك فإن المراقبين يعتبرون هذه المفارقة فرصة سانحة التقطها الحريري لإنتاج صفقة داخلية قد لا ترضي كافة الأطراف الداخلية، لكنها قد لا تزعج ولا تربك الحسابات الخارجية.

والواضح أن اتصالات الحريري بالراعي السعودي وتواصله مع عواصم القرار الدولي، لا سيما زيارته الأخيرة لموسكو ولقاءه مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، أعطت الحريري انطباعا بعدم اهتمام العواصم بالاستحقاق الرئاسي اللبناني، كما بعدم ممانعتها إنتاج رئيس بصناعة محلية صرفة.

ويرى دبلوماسيون غربيون في بيروت أنه من الخطأ تصوّر أن الحريري يتحرّك وفق ديناميات داخلية فقط دون تلك الخارجية. وترى هذه الأوساط أن عدم وجود “فيتو” إقليمي دولي على مبدأ انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية هو بحدّ ذاته موقف إيجابي إذا ما تمّ قطفه وحسن توظيفه من الفرقاء المحليين.

حركة الحريري الابن تنطلق من ديناميات ذاتية لا تستند إلا على مقومات محلية خاصة باللعبة السياسية اللبنانية دون التسلّح بأي غطاء إقليمي أو دولي. وهذا التطور لم يعرفه اللبنانيون منذ الاستقلال عام 1943، والذين تعودوا أن يأتيهم وحي الخارج حاملا لهم التسوية الرئاسية

وتلاحظ هذه الأوساط أن توجّه المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ قبل أيام إلى طهران، على ما قيل إنه حثّ للقيادة الإيرانية على تسهيل انتخاب رئيس لبنان، يمثّل إشارة أممية على الجهوزية للدفع باتجاه إنجاح هذا الاستحقاق إذا ما شعر المجتمع الدولي بأن هناك عزما لبنانيا جديّا لإشغال قصر بعبدا بساكن جديد.

على أن مراقبين لشؤون تيار المستقبل يلفتون إلى جانب مستجد في حركة سعد الحريري الرئاسية. وتعترف هذه الأوساط بأن زعيم التيار الأزرق يعاني من أزمة مالية قاسية لا تخفيها أنباء المداولات حول أمر شركة “سعودي أوجيه” في السعودية والتي يمتلكها سعد الحريري، ولا تواريها حالة التوقف عن دفع رواتب العاملين في مؤسسات تيار المستقبل، ناهيك عن برامج التسريح وخطط إقفال أنشطة ومنشآت تابعة للتيار.

وتعترف هذه الأوساط أيضا، أن فقدان “المستقبل” للوعاء المالي الذي لطالما تمتع به وكان أساس ديناميته ليس عرضيا مؤقتا، بل بات يجب التأسيس عليه بصفته الوضع الدائم الذي يجب على التيار الأزرق القبول بقواعده. وعليه تستنج تلك المراجع المقربة من “المستقبل” بأن التيار بات حزبا يعمل بعدّة مالية بيتية، قد يكون شأنه في ذلك شأن بقية الأحزاب التي لا تحظى بالرعاية المالية الإيرانية.

ورغم وجود ارتباك داخل تيار المستقبل من ذهاب زعيمه نحو خيار الجنرال عون رئيسا للبنان، ورغم صعوبة نسيان ما كاله جنرال الرابية للتيار من اتهامات وصلت إلى وصفه بالحزب الداعشي، ورغم موقفه المعادي للبيئة السنّية الحاضنة للتيار، إلا أن تلك الأصوات المستاءة من هذا الخيار تعتبر، مع ذلك، أن الأمر قد يوقف الشلل الذي تعاني منه المؤسسات اللبنانية، ويعيد “المستقبل” للعب دوره كاملا داخل منظومة الحكم في لبنان بصفته ضرورة وشريكا كاملا، بما يعني فشل حزب الله، وإيران من ورائه، في تدجين البلد وتقويض ثوابته.

لكنّ مقربين من الرئيس سعد الحريري يجدون أن مناورة زعيم المستقبل تعيد تعويمه رقما صعبا على رأس الحكومة اللبنانية، وهو أمر يعود حزب الله والتيار الوطني الحرّ للإقرار به، بعد سنوات على الانقلاب الذي جمعهما ضد حكومة الحريري في ديسمبر 2011 والذي أدّى في ما بعد إلى خروجه من البلد لمدة خمس سنوات.

وترى هذه الأوساط أن اللافت في الأمر أيضا أن التسليم بالحريري وزعامته من قبل الخصوم يأتي هذه المرة ممنوحا له على الرغم من أنه لا يحظى بخيمة سعودية حاسمة واضحة، ولا يحظى برعاية دولية جلية، وفوق ذلك كله، لا يمتلك القاعدة المالية الوفيرة التي لطالما كان وهجها يواكبه كما واكب والده في أيّ مبادرة أو تحرك قاما به أو أيّ منصب تولياه.

ورغم نفي المستقبليين لأيّ رابط يصل جهد الحريري لانتخاب رئيس للجمهورية بطموحات مفترضة لعودته إلى رئاسة الحكومة، ورغم تكرارهم أن الحريري يترأس أكبر كتلة نيابية برلمانية تمنحه وحلفاءه حق رئاسة الحكومة دون أيّ جميل أو منّة من أحد، إلا أن أمر العودة إلى رئاسة الحكومة بات ضرورة لشخص الحريري للإطلالة على شؤون الحكم في لبنان من الباب السياسي المتخلّص من دور الثروة المالية ووفرتها في ذلك، والمتخلّص أيضا، ربما، من أيّ حسابات سعودية كانت يومية ومباشرة داخل لبنان.

عودة الحريري رئيسا للحكومة يعيد تعويم الرجل دوليا بحيث يتناسب حضوره مع المزاج الدولي الذي يربكه التعامل مع البلد بين ما يمثله حزب الله من نفوذ داخل النظام السياسي اللبناني وما يمثله ميشال عون من ضبابية

وتذهب مصادر سعودية غير رسمية إلى تأييد حركة الحريري الراهنة. وتعتبر أنها بمثابة إعادة اكتشاف لمواهب الرجل السياسية، ذلك أن الموقف السعودي الرسمي تشوبه خيية من أداء “ابن رفيق الحريري” المالي من جهة، في ما آلت إليه أحوال شركة “سعودي أوجيه” التي أسسها ورفع من شأنها الوالد الراحل، كما من الأداء السياسي لـ “ابننا” في لبنان، في ما آلت إليه أحوال المملكة في شأن هذا البلد، والتي تمثّلت في ما يشبه استقالة الرياض وانسحابها من رعاية شؤون لبنان. وترى هذه المصادر أن تراجع الأولوية اللبنانية على الأجندة السعودية، بما في ذلك اعتماد وكيل لبناني حصري يتمثّل منذ اتفاق الطائف بالحريرية السياسية، يحرر سعد الحريري نفسه ويمنحه هامشا واسعا للتحرّك والمناورة، وربما تجاوز محرّمات كان عاجزا عن المغامرة بها بسبب التصاقه بحسابات الرياض ومواقفها الإقليمية والدولية.

بالمحصلة يكاد المحللون يجمعون على أن سعد الحريري يتحرى تجاوز الأزمة المالية من خلال تعويض سياسي يعيد تعويمه داخليا، على ما يخفف من تصاعد ظواهر الاعتراض داخل المحسوبين على معسكره، وخصوصا الوزير أشرف ريفي الذي سبق وأن استشرف “انتهاء الحريري”.

وترى هذه الأوساط أن هذا التعويم يعيد الاعتبار إليه كاملا، بصفته رئيسا للحكومة اللبنانية (وهذه المرة دون أيّ مساعدة من الرياض) لدى المملكة العربية السعودية، على ما قد يعيده العنوان الوحيد للسياسة السعودية في لبنان، بعد أن ظهر أن الرياض لم تمانع، وفق أسلوب الحكم في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، الانفتاح على خصوم الأمس داخل الطائفة السنية، ما أفقد الحريرية السياسة الوكالة الحصرية لتمثيل النفوذ السعودي في لبنان.

ثم أن عودة الحريري رئيسا للحكومة يعيد تعويم الرجل دوليا بحيث يتناسب حضوره مع المزاج الدولي الذي يربكه التعامل مع البلد بين ما يمثله حزب الله من نفوذ داخل النظام السياسي اللبناني وما يمثله ميشال عون من ضبابية وتذبذب لا يمكن للمراجع الدولية اعتماده مرجعا ثابتا واضح الخطط للتعامل معه.

وفي النهاية لن يسير الحريري في مغامرته وحيدا. فإلى جانب تياره الذي يعمل على معالجة مواطن الاعتراض داخله، يلتقي الرجل مع سمير جعجع الذي سبقه في ترشيح عون، وقد يسوق معه وليد جنبلاط الذي سبق أن دعا لانتخاب رئيس، حتى لو كان عون، ونبيه بري رئيس المجلس النواب النيابي الذي من الممكن أن يؤجل تمرير “سلّته” إلى ما بعد تطويب عون رئيسا. وإذا ما تم ذلك فإن المزاج السياسي العام لن يعارض طباع الكبار المتبدلة.

وترصد المنابر المتابعة إعادة تموضع لكافة مواقع الاعتراض التي كانت متوقعة، خصوصا داخل تيار المستقبل، باتجاه احتضان حراك الحريري، رغم خروج أصوات نيابية أعلنت أنها لن تصوّت لعون، ذلك أن المستقبليين يدركون أن حزبهم السياسي ما زال يعيش على تراث الحريري الأب، وأن ديمومة الحزب مرتبطة بتخلّص الحريري الابن من مأزقه المالي من خلال مدخل سياسي شرعي يعيده رئيسا للحكومة اللبنانية، حتى لو كان شاغل بعبدا اسمه ميشال عون.

4