الحريري وخطاب الاعتدال المنفي

الأربعاء 2015/07/15

كان خطاب سعد الحريري الأخير خطاب مناف بامتياز. تحدث فيه كما يتحدث المنفيون عادة بلغة الحنين والأمل والذاكرة. انطلق من واقع من ليس له القدرة على إحداث تأثير فعلي في مجرى الأمور ومساراتها.

اتخذ صفة نذير يريد تجنيب أهله كارثة كبرى بأي شكل من الأشكال، ولكن النظر من بعيد يمنعه من رؤية حجمها الكامل والفعلي. تبدو أمام عينيه صغيرة وعابرة، في حين أنها باتت تشكل المشهد الأوسع والأكثر هولا وحضورا.

انتقد ناشطون من تيار المستقبل وحلفائه وخصومه هاشتاغ “يوم السعد لما تطل”، اعتبروه غير مناسب، ولا يحمل سمة الشعار السياسي المتصل بطبيعة المرحلة، بل يمثل نوعا من بيان عاطفي انفعالي، يكاد يرسم صورة لسعد الحريري وجمهوره بأنهم حشد عاطفي لا يستطيع أن يشكل حزبا أو تيارا سياسيا، يمكنه بناء منطق سياسي يصلح لإدارة شؤون البلد.

هذا الشعار أو الهاشتاغ العاطفي كان مبنيا على واقع لحظة المنافي التي يسكن فيها الاعتدال والسياسة، أو سياسة الاعتدال إذا صح التعبير، وهو يعبر عن وعي حاد مباشر لواقع اللحظة التي لم تعد تسمح بالسياسة ولا بمتفرعاتها ولا بمنطقها. باتت العاطفة الخالصة اللغة الوحيدة الصالحة للتعبير عن النزوعات، ولعل العاطفة التي عبر عنها هاشتاغ “يوم السعد لما تطل” تضمر اقتناعا واضحا باستحالة عودة الزعيم المخلص، وتاليا رؤية تؤمن أن المشروع الحريري المعتدل استحال نوعا من “يوتوبيا” لا يمكن استقبالها سوى بالحنين والانتظار.

وجد الحريريون في غياب الحريري نوعا من مهدية ما تنافس المهدية الشيعية، وهم يعيشون حاليا لحظة انتظار داعشهم الموازي لداعشية حزب الله. لم يتحدث الحريري في السياسة في خطابه، بل أطلق سلسلة أمنيات تتعلق بالتأكيد على حرمة الدم. الأمنية الأبرز والتي لا تستطيع أن تشكل وعدا كانت ببساطة درامية أمنية العودة إلى لبنان، والتحدث من بيروت أو طرابلس أو من أي منطقة لبنانية.

يتحدث الحريري عن الاعتدال بوصفه ذكرى يجب أن تدخل في سياق الحميمي، وأن تتحول إلى أيقونة تناط بها القدرة على الشفاء إذا آمنت بها.

الشفاء وتضميد الجراح ليسا وعدا ناظما للعلاقة معها، بل نوع من أمل يفترض إيمانا عميقا ومتينا لكي يتحقق، وكذلك يتطلب وقائع صلبة ليس قادرا على صناعتها، لذا يتحول إلى أسطورة يصونها الحنين، وتنطق من خلال الغياب وتُستحضر بالذاكرة والحكايات.

بات الاعتدال حكاية، وبات متاحا للجمهور أن يؤلفها كما يشاء. هذا الجمهور الذي لم يعد يملك سوى العاطفة بات قادرا على تأليف حكايته الخاصة للاعتدال التي لا تتطابق مع رواية ووصايا سعد الحريري الذي لم يعد صاحب الاعتدال وحامي مشروعه، بل مجرد داع من دعاة الحنين إليه والحفاظ عليه.

لم يعد هذا الاعتدال المنفي قادرا على الدفاع عن حكايته الخاصة، بل بات رهين انفعال جمهور ينتظر أن يطلّ السعد بظهور سعد الحريري الذي لا يستطيع أن يبرح حجاب الشاشة السميك، ولا أن يبث السعد والارتياح ولا حتى أن يعد بهما، بل فقط يعيد سرد رواية اعتدال جميل لم يعد قابلا للعيش.

لا يمكن أن نتصور أن هذا الجمهور العاطفي سيضبط ساعة عاطفته على الدوام على توقيت الاعتدال وخاصة حين يكون منفيا، بل إن هذه العاطفة نفسها قابلة للتحول إلى ضدها ببساطة شديدة وسرعة باهرة، بل ربما تكون قادرة على صياغة اعتدال يستطيع ضم الداعشية إلى بنيانه دون أن يحدث فيه أي خلل. المنطق الذي يقول إن داعش تمارس عدالة الانتقام للسنة يمكن له تصميم اعتدال مبني على الانتقام العادل.

لا يرسم الحريري سياسة، بل يخاطب التاريخ والقدر. يحاول، يائسا، أن يؤسس حزب الاعتدال العاطفي انطلاقا من ذاكرة تتبدد في كل لحظة، لتحل محلها ذاكرة جديدة مثقلة بالخيبات والهزائم والمنافي لا تجد لنفسها عنوانا خارج المنافي وما تؤسس له من غياب ونسيان.

حزب الاعتدال العاطفي لا يبدو قادرا على مواجهة عواطف التسنن المحارب الساعي إلى الرد على المجازر بالمجازر.

داعش الآن هو حزب الاعتدال العاطفي السني الوحيد الممكن والمبني على وقائع صلبة.

يتحدث الحريري عن الاعتدال المسالم وغير المحارب بوصفه تاريخا، يقدم نفسه فيه بوصفه الشاهد والشهيد الذي لا يستطيع أن يقول سوى إني قد بلّغت.

كاتب لبناني

6