"الحريم" وازدراء الحياة الإنسانية

الاثنين 2014/03/03

كأننا لم نبلغ بعد، في علاقتنا مع المرأة، نظرية الارتقاء التي تحدث عنها داروين! يتوقّف العقل عند حدود الغرائز ولا يتقدّم. ويظلّ ذَكَرُ الضفدع لا يعرف أن يضاجع إلاّ اغتصابا! ذكرُ الضفدع لا عقل له لكي يفكّر، وهو مبرمَج في سلوكه وفي حياته، من الولادة إلى الموت. أما الإنسان (وهل من حاجة إلى التذكير؟) فهو حيوان عاقل، وفق قول أرسطو. وعلى الرغم من ذلك، يحار المرء، في تلك البقعة من العالم، بأمر المرأة. ماذا يفعل بها وكيف يخفيها؟ يسعى إليها ويريد أن يتخلّص منها في آن واحد؟ يستعملها لإرضاء حاجاته ويتمنى أن يمحوها من الوجود؟ ورطَة!

الكاتبة السعودية بدرية البشر تثير في بعض مقالاتها في صحيفة “الحياة” كيفية التعاطي مع هذا الكائن “الغريب” وتضع إصبعها على الجرح. تتحدث عن “الحريم” وما “يعانين من التهميش وفرض الوصاية عليهنّ”، كما تسأل عن حقوقهنّ المدنيّة وعمّن ينتصر لكرامتهنّ وقيمهنّ الإنسانية… يبدو هذا الحديث، في الظاهر، حديثَ بديهيات، لكنّه، وفي أغلب الدول العربية، ليس كذلك على الإطلاق.

لقد تراجعت الأسئلة المطروحة حول بعض الموضوعات الأساسية، ومنها المرأة والدين، حتى عما كانت عليه نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع بعض المفكرين والإصلاحيين العرب. أبعد من هذا التاريخ بكثير، أي منذ حوالي ثمانية قرون، ألم يعتبر ابن رشد أنّ الرجل والمرأة متساويان في الكفاءات الذهنية والعلمية؟ ومع ذلك، هناك من لا يزال يدافع عن مقولة الإمام الغزالي الملقّب بحجّة الإسلام: “المرأة رقيق لزوجها”. إنّ المرحلة التي نعيشها اليوم أشدّ صعوبة وتعقيدا من المرحلة التي عاش فيها كتّاب ومفكرون من أمثال قاسم أمين وهدى شعراوي وعلي عبدالرازق وطه حسين. لقد قامت الدول العربيّة منذ نيل الاستقلال الوطني في الخمسينات والستينات من القرن الماضي على القمع والعنف مع أنظمة لا تمارس النقد ولا تعترف به أصلا. لا تحاسب نفسها ولا تسمح لأحد بأن يحاسبها. ضمن هذا المناخ، تهيأت ظروف الانغلاق والجهل وتحرّكت غرائز التطرّف الديني. ضاعف من خطورة هذه الأنظمة والتنظيمات المواكبة لها والمتناسلة منها، استعمال بعض الدول الغربية لها وتسليحها ورعايتها طالما أنّ خطرها كان منحصرا في بيئاتها المحلية فحسب.

الخروج من الحكم الديكتاتوري لا يعني، بأي حال من الأحوال، الدخول مباشرة في الديمقراطية وتحقيق المجتمع المدني. سقوط الطغاة لن يكون نهاية الثورة، بل الخطوة الأولى في رحلة البناء الطويلة. والتغيير الفعلي يتطلّب رؤية جديدة تناقض سياسة الازدراء المطلق للحياة الإنسانية.

كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس

15