الحزب الحاكم في الجزائر يخشى السقوط في الانتخابات

يبدو أن هواجس النخب السياسية الجزائرية من “سقوط مدو” للحزب الحاكم خلال الانتخابات التشريعية، لم تعد مجرد تكهنات أو مخاوف تغذيها المقاطعة الشعبية الواسعة، حيث أكدت الرسالة التي وجهها عمار سعداني الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير حالة الارتباك التي تسيطر على أداء الحزب الحاكم نتيجة الصراعات الداخلية، والانقسامات المرتبطة باحتدام معركة خلافة الرئيس بوتفليقة.
السبت 2017/04/29
ورقة بوتفليقة لم تعد مفتاحا للفوز

الجزائر - شكلت عودة الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عمار سعداني إلى الواجهة قبل أسبوع من الانتخابات التشريعية، تطورا لافتا في مسار الحملة الانتخابية المتعثرة للحزب، بعد فشل الأمين العام الحالي جمال ولد عباس في احتواء الغضب الداخلي، وتقديم خطاب سياسي منافس للقوى السياسية الكبرى، لا سيما بعد تردده في دعم الرئيس بوتفليقة خلال الأيام الأخيرة.

وحملت الرسالة التي توجه بها عمار سعداني لمناضلي الحزب وقواعده، من أجل تجاوز الخلافات الداخلية، والتجند لبقاء جبهة التحرير الوطني القوة السياسية في البلاد، رسائل سياسية تشير إلى مخاوف كوادر جبهة التحرير الوطني من فقدان صفة “الحزب الحاكم”، فضلا عن بوادر حراك مبكر للانقلاب على جمال ولد عباس، خاصة في حالة تقهقر نتائجه في الاستحقاق الانتخابي.

ودعا الأمين العام السابق الذي غادر منصبه في أكتوبر الماضي في ظروف غامضة مناضلي وقواعد حزبه إلى ضرورة تجاوز الخلافات الداخلية، والتجاذبات التي خلفتها عملية إعداد قوائم المرشحين في المحافظات، من أجل دعم حظوظ الحزب في الإبقاء على مكانته، كقوة سياسية أولى في البلاد.

واعتبر مراقبون أن رسالة سعداني تعتبر تدخلا لنجدة الحزب أياما قبل موعد الانتخابات، من مؤشرات فقدان مكانته السياسية لصالح الغريم (التجمع الوطني الديمقراطي)، خاصة بعد فشل ولد عباس في تقديم برنامج انتخابي وخطاب سياسي في مستوى تطلعات قواعد الحزب.

ووصف مراقبون رسالة سعداني برسالة تهدئة، بعد الصراعات الداخلية بين أجنحة وكتل الحزب التي تأججت منذ الكشف عن قوائم مرشحي الحزب في الانتخابات، والظروف التي أحاطت بها، في ظل الحديث عن ممارسات مشبوهة داخل قيادة الحزب، وتورط بعض الرموز في فضائح الفساد المالي والرشوة والمحاباة.

ودعت رسالة سعداني مناضلي وقواعد الحزب إلى “التنازل عن الطموحات الفردية والمساهمة في إنجاح الاستحقاق التشريعي المقبل، وتحقيق الفوز للحزب العتيد في هذه الانتخابات”.

وكانت مصادر سياسية قد تحدثت خلال الأسابيع الماضية عن تورط نجل ولد عباس وعضو المكتب السياسي سليمة عثماني في فضائح فساد تتعلق بتلقي رشاوى وعمولات مقابل ترؤس بعض القوائم، أو مراتب متقدمة، وأشارت المصادر إلى قيام الجهات الأمنية بفتح تحقيقات يبدو أنها قد أفضت لكشف خيوط جديدة، في انتظار عرض الملف برمته على القضاء.

وتضمنت الرسالة اعترافا “بوجود صراعات داخلية بسبب إعداد القوائم، وأن العملية أقصت عددا من المناضلين، وظلمت آخرين بوضعهم في مراتب ليست في مستوى نضالهم وشخصيتهم”، مما يؤكد انزعاج رموز الحزب من انفراد ولد عباس بدراسة وترتيب ملفات الترشح في حلقة ضيقة، بعيدا عن مؤسسات وهياكل الحزب.

رسالة سعداني تأتي لنجدة الحزب، من فقدان مكانته بعد فشل ولد عباس في تقديم برنامج انتخابي في مستوى التطلعات

وكان الجناح الموالي للأمين العام السابق عبدالعزيز بلخادم قد وجه أصابع الاتهام إلى كل من وزير العدل والقيادي في الحزب طيب لوح، ورئيس الوزراء عبدالمالك سلال، بالإشراف المباشر على عملية تهيئة القوائم، وفق أجندة تستهدف وضع رجالات موالين لهما، لحسابات سياسية تتصل بطموحات سلال لخلافة بوتفليقة في قصر المرادية العام 2019.

وشدد سعداني على ضرورة تحقيق الفوز بالأغلبية و”إهدائه” للرئيس بوتفليقة، وهي دعوة ربطها المراقبون بالتحول المفاجئ في خطاب جمال ولد عباس، خلال الأيام الأخيرة من عمر الحملة الانتخابية، وإحجامه عن دعم الرئيس بوتفليقة، وتلافي الخوض في تجديد الثقة للعهدة الخامسة على التوالي، وأظهر ولد عباس خطابين مختلفين أثناء الحملة الانتخابية الجارية، فبعدما أكد على أن بوتفليقة هو مرشح الحزب في رئاسيات 2019 وأن قيادة الحزب واختيار أسماء المرشحين ضمن قوائم الحزب كانت بتزكية من الرئيس بوتفليقة نفسه، عاد مؤخرا خطوة للخلف وتفادى الحديث عن مرشح الحزب في الرئاسيات المقبلة مكتفيا بالإشارة إلى أن الأمر يعود تقريره “للمناضلين صلب الحزب”.

ويكشف هذا التحول في خطاب ولد عباس عن حراك حثيث وصراع توازنات في سياق معركة الخلافة، ويبدو بحسب المتابعين أن تبعات هذا الصراع سلطت ضغوطا على ولد عباس لترتيب أوراق خطابه، والخروج من المواجهة المحتدمة حول خلافة بوتفليقة بين الغريمين عبدالمالك سلال وأحمد أويحيى، وهو الأمر الذي يكون قد أعاد سعداني للواجهة عبر رسالة ظاهرها التهدئة، فيما يطرح بين أسطرها وبشكل غير مباشر نفسه كخيار ثالث عبر رهانه السابق على وزير النفط السابق شكيب خليل.

ويضيف هؤلاء أن تراجع ولد عباس عن ورقة بوتفليقة يكون قد تم بإيعاز من عبدالمالك سلال، الذي يخوض حملة انتخابية غير معلنة لصالح الحزب وبعض الجهات الإدارية في المحافظات، من أجل ضمان أغلبية مريحة لجبهة التحرير الوطني تعينه على خوض معركة رابحة ضد أحمد أويحيى في سباق خلافة بوتفليقة.

وعكست الرسالة حرص سعداني على تأكيد ولائه للرئيس بوتفليقة، الذي وصفه “بمهندس السلم والمصالحة الوطنية”، داعيا إلى تضافر جميع الجهود لتحقيق أغلبية برلمانية تعمل على تجسيد برنامج الرئيس. إن العودة في الوقت بدل الضائع تشير إلى طموحات الرجل السابقة في الرهان على ورقة شكيب خليل كرئيس قادم للبلاد، لا سيما وأن الرجل يعد الخيار الأفضل للدائرة الضيقة في قصر المرادية لاعتبارات جهوية وعلاقات حميمية من أيام الطفولة.

ورغم الصدام المحتدم بين سلال وأويحيى وطموحاتهما لشغل قصر المرادية في 2019، فإن المشهد لا يزال غامضا للكثير في الداخل والخارج، في ظل عدم وضوح موقف الدوائر الفاعلة، كالمؤسسة العسكرية وحتى القوى المالية النافذة، فضلا عن العواصم المؤثرة في القرار الداخلي كباريس وواشنطن، وقد تميل الكفة لصالح خيار مغاير لسلال وأويحيى بما يتماشى مع حسابات عمار سعداني.

4