الحزب الحاكم في الجزائر يستعرض قوته على حكومة جراد

نواب من البرلمان الجزائري يوجهون انتقادات شديدة لوزير الصحة الجديد حملت رسائل سياسية قوية للحكومة لدفعها على عدم التفكير في تجاوز القوى السياسية الفاعلة في البلاد.
الخميس 2020/02/13
موسم التجاذبات السياسية ينطلق في الجزائر

الجزائر- وجه العديد من نواب البرلمان الجزائري، انتقادات شديدة لحكومة عبدالعزيز جراد، أثناء مناقشة مخطط العمل، في مؤشر على بداية التجاذبات السياسية والحزبية تحسبا للتموقع في المشهد القادم، وهو ما يكبل هامش المناورة لدى الجهاز التنفيذي ويدفعه إلى تقديم تنازلات عن عقيدته التكنوقراطية.

ووجه النائب عن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، إلياس سعدي، انتقادات شديدة لوزير الصحة الجديد عبدالرحمن بن بوزيد، حملت رسائل سياسية قوية للحكومة، تحضها على “عدم التفكير في تجاوز القوى السياسية الفاعلة في البلاد، وأن الطابع التكنوقراطي لن يكون صكا على بياض، ولذلك يتوجب المرور على الأحزاب السياسية التي تكون قد شعرت بالتهميش في الآونة الأخيرة”.

ولا تزال الأحزاب السياسية الموالية للسلطة والكتل النيابية التي تمثلها في البرلمان، بعيدة عن حسابات السلطة الجديدة في البلاد، لاسيما بعد انتخاب عبدالمجيد تبون رئيسا للبلاد في انتخابات الثاني عشر من ديسمبر الماضي، فرغم دخول الرجل في مشاورات متقدمة مع الطبقة السياسية والشخصيات المستقلة، لا تزال الأحزاب الحائزة على الأغلبية في البرلمان مهمشة إلى حد الآن.

حزب جبهة التحرير الحاكم يريد إبراز نفوذه داخل البرلمان، ومدى قدرته على إمكانية شل عمل الحكومة في ظل تجاهل السلطة له

وتسود حالة من الفتور في العلاقة بين السلطة والقوى السياسية الموالية، خاصة بعد الاستحقاق الرئاسي الأخير، حيث رشح التجمع الوطني الديمقراطي أمينه العام عزالدين ميهوبي، بينما قررت القيادة المؤقتة لحزب جبهة التحرير الوطني دعمه، وأدارت ظهرها للمرشح المستقل عبدالمجيد تبون، رغم أنه ينحدر حزبيا من الحزب الحاكم.

وأشار النائب إلياس سعدي، في رسالة قوية للحكومة ولوزير الصحة تحديدا، إلى أن “صحتنا مريضة اليوم، الناس يريدون العلاج ولا يجدونه، كيف لوزير الصحة أن يصرح بعجز الدولة عن استقدام الأدوية الحديثة لمعالجة مرض السرطان.. أليس هذا يحبط معنويات المرضى والجزائريين عموما”.

وأضاف “كيف يمكن بناء تجانس بين قرار رئيس الجمهورية القاضي ببناء مستشفى لمرضى السرطان بمدينة الجلفة (300 كلم جنوبي العاصمة)، وبين تصريح وزير الصحة المحبط”.

وتابع “تعلمون لماذا الشعب يكره السلطة والحكومة وكل شيء يرمز لها، لأننا غائبون عن حياته واهتماماته وانشغالاته اليومية، فهو يواجه لوحده مصاعب الحياة وتداعيات الأزمة”.

وكان رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، قد صرح خلال عرض مخطط عمل حكومته بأنه “رغم صعوبة وتعقد الأوضاع لا يمكننا أن نستسلم لليأس، وأنه كما حقق أسلافنا من جيل نوفمبر ما كان يظنه الكثير مستحيلا في التحرر والاستقلال، لا أشك في أن جيل اليوم قادر على أن ينهض بالجزائر من كبوتها ويعيدها إلى سبيل الازدهار والرقي”.

وأوضح أنه “سيتم اعتماد نمط جديد وعصري للحوكمة، يتسم بالصرامة والشفافية، وقائم على أساس أخلقة الحياة العامة، عبر مكافحة حازمة للفساد والـمحاباة والمحسوبية، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على مراجعة المنظومة التشريعية بغرض تعزيز آليات استرجاع الأموال العمومية الـمنهوبة، وتوفير حماية أكبر للمبلغين عن الفساد، وتوضيح مفهوم تضارب الـمصالح في القطاعات العمومية والخاصة، فضلا عن تشديد العقوبات الـمسلطة على جرائم الفساد وتبييض الأموال”.

لا تزال الأحزاب السياسية الموالية للسلطة والكتل النيابية التي تمثلها في البرلمان، بعيدة عن حسابات السلطة الجديدة في البلاد

ووجه عبدالعزيز جراد انتقادات مبطنة إلى سلفه نورالدين بدوي، من خلال إقرار قانون الموازنة العامة الذي ضمنه حزمة من الضرائب على المواطنين، ووصفها بـ”النية المبيتة لزرع بؤر للتوتر الاجتماعي”، وتعهد أمام النواب بمراجعة بعض تلك الرسوم في قانون الموازنة التكميلي خلال الصائفة القادمة.

وتشكل الانتقادات الموجهة للحكومة السابقة، طعنا في الخط السياسي الذي انتهجته المؤسسات الانتقالية السابقة، وقيادة الجيش، التي كانت تتمسك بحكومة بدوي رغم مطالب التنحية المتصاعدة آنذاك في الاحتجاجات الشعبية، حيث كانت حينها تمثل جزءا من الحلول المرنة للأزمة السياسية التي لا تزال تعصف بالبلاد، وهو الأمر الذي بات يتكرس تدريجيا خلال الأسابيع الأخيرة في مسار تراجع السلطة القائمة عن الخط السياسي السابق.

ولا يستبعد مراقبون للشأن الجزائري، أن تكون الانتقادات الشديدة للنائب البرلماني عن الحزب الحاكم في البلاد، أحد تجليات القبضة غير المعلنة بين الرئيس تبون وحكومته من جهة، وبين أحزاب الأغلبية من جهة ثانية، بسبب تهميشها في المسار السياسي المفتوح من طرف رئيس الجمهورية.

وقد يندرج ذلك في جولة لاستعراض القوة، وإبراز نفوذ وقدرة الحزب داخل البرلمان، وإبراز إمكانية شل عمل الحكومة، بالتحالف مع القوى القريبة منه، في ظل التجاهل الذي يحيط بها من طرف السلطة، والتي تتحجج بدورها بالشرعية الانتخابية المشكوك فيها للبرلمان، وعدم رضى الشارع عن القوى السياسية الحالية.

4