الحزب الذي يحلم بأن يصبح بديلا للإخوان

الثلاثاء 2013/09/10

دعوة الحكومة الجديدة في مصر تيارات الإسلام السياسي للمشاركة في «لجنة الخمسين» تحمل دلالات إيجابية عدة، على رأسها أنها رسالة سياسية مهمة، للخارج قبل الداخل، بأن التيارات الدينية هي رقم في المعادلة التي يتشكل على أساسها نسيج المجتمع المصري، لا يمكن تجاهله.

وثانيها أن العملية السياسية في مصر لن تقتصر في الفترة القادمة على القوى المدنية أو الثورية التي شاركت في ثورة 25 يناير 2011 أو في موجتها الثانية في 30 يونيو الماضي، لكنها سوف تتسع لتشمل كل مكونات وأطياف المجتمع المصري دون إقصاء أو تمييز.

لكن حسن النوايا وحده لا يمكن أن يشكل الأساس الذي تقوم عليه عملية تعديل الدستور، الذي من المفترض أن يعيد تشكيل كثير من أوجه الحياة في مصر. فقد عانى الشعب المصري لفترات طويلة من التداخل في المفاهيم الدستورية، وغياب كامل للوعي المرتبط بتلك المفاهيم، وهو ما سعت تيارات الإسلام السياسي لاستغلاله، بداية من تصنيف المصريين المؤيدين للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري في شهر مارس 2011 ضمن زمرة المؤمنين، ووضع الرافضين له في صفوف الكفار والملحدين، وصولاً إلى الاستفتاء على الدستور الإخواني في ديسمبر 2012، وتمريره تحت مظلة من الاستهداف الطائفي ضد الأقباط بصفة خاصة، وكل من يؤمن بمبادئ الدولة المدنية الحديثة بشكل عام.

لكن رفض هذه القوى المشاركة في اللجنة، لم يمنع حزب النور (أكبر الأحزاب السلفية في مصر) من حجز مقعده فيها على أساس من الرغبة في تعويض الوجود «الإسلامجي».

هذا الحزب الذي طالما اتفق مع جماعة الإخوان المسلمين في المنهج والرؤى، وإن اختلف معها في طريقة التطبيق، يرى أن ما حدث في 30 يونيو ليس ثورة، ولا موجة من موجاتها، ولكنه عقابا من الله- سبحانه وتعالى- للجماعة على تخاذلها في تحقيق الحكم بما أنزل، وترجمة الشريعة الإسلامية إلى قوانين وقواعد تحكم المجتمع في مصر، طبقا لتفسير مرجعياتهم الدينية المتمثلة في ابن تيمية وابن عثيمين والإمام أحمد لهذه القوانين والقواعد، بدلاً من فهم مرجعيات الإخوان الفكرية كالشيخ أبو الأعلى المودودي وسيد قطب لها.

الهدف الرئيسي من وراء موافقة حزب النور على المشاركة في لجنة الخمسين يكمن في رغبته في الانسحاب منها لاحقاً. فمهمة تلغيم اللجنة وتفجيرها من الداخل (بحسب ما يرى قادته) أسهل بكثير من محاولة فرض رؤية الحزب الضيقة للشريعة الإسلامية على اللجنة ومحاربتها من الخارج.

هذا الحزب الذي ضغط على الجيش وعلى الرئيس المؤقت لعدم تولي محمد البرادعي وشخصيات أخرى ممن كانوا محسوبين على الثورة رئاسة الحكومة في أعقاب ثورة 30 يونيو من خلال الابتزاز وعقد الصفقات والمؤامرات، يحاول أن يلعب نفس الدور الآن في فرض رؤيته المتشددة للهوية الإسلامية على المجتمع، في سبيل الإبقاء على «المادة 219» التي حارب من أجل فرضها على دستور الإخوان الساقط، والتي يرى فيها هي وحدها الهوية الإسلامية للدولة وللمجتمع المصريين. هذه المادة، التي تنص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة»، تطيح بأحد أهم مفاهيم الدولة الديمقراطية، وهو مفهوم المواطنة، وتؤسس لمجتمع لا يعترف بالتعددية، ويقوم على الإقصاء الفكري والمذهبي، في بلد لم يعرف الأصولية الدينية أو السياسية على مدار تاريخه الممتد. الفارق بين جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور، في رؤيتهم للدولة الإسلامية التي يحلمون بها، هو أن الأولى ترى أن الجماعة التي أوكل الله لها نشر الدعوة وتمكين دينه في الأرض يجب أن تحكم، من خلال «أخونة الدولة» والسيطرة على مفاصلها، حتى يصبح مشروع التمكين واقعاً، ومن بعده يتحقق حلم الخلافة الإسلامية، أما الثاني فيرى في «سلفنة الدولة» (أي هيمنة التيار السلفي الراديكالي عليها) الطريق للوصول إلى نفس الغاية. nلذلك فإن معارضة حزب النور للإخوان، في حقيقة الأمر، لم تكن مبنية في الأساس على اختلاف في الرؤى السياسية أو في المشروع الذي تقوم عليه فكرة الحكم داخل الجماعة، بقدر ما كانت تلك المعارضة تنبع من منظور عقائدي وفلسفي يرفض الإباحة لكل ما هو مطلق، ويطرح جانباً فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة، التي قامت عليها عقيدة الإخوان الرئيسية طيلة 85 عاما من ممارسة العمل السياسي.

حزب النور هو ذراع سياسية لجماعة دينية أيضا تدعى «الدعوة السلفية» يديرها مجموعة من شيوخ التيار السلفي المتشدد، ولأن هؤلاء الشيوخ لا يفرقون عادة في الفتوى التي يطلقونها بين ما هو ديني وما هو سياسي، فإن حزب النور سيلجأ إلى الدخول في صدام مع الدولة بهدف تعطيل خارطة الطريق لأطول وقت ممكن لا محالة، وسيستخدم في سبيل ذلك أداة النزول إلى الشارع للتظاهر، وللضغط على «لجنة الخمسين» وعلى المجتمع بأسره في سبيل تحقيق ما يريد، كما فعل من قبل إبّان حكم المجلس العسكري.

خطر الفاشية الدينية لم يختف بانزواء الإخوان المسلمين عن المشهد السياسي المصري، ومازالت أشباحه تهدد مسار الثورة والأهداف التي قامت من أجلها، لذا فإن اعتماد السلطة الجديدة على حسن النوايا فقط، سوف يعصف بهذا المسار وتلك الأهداف، وإن لم تستمر بنفس القوة في التعامل مع كل مظاهر ذلك الخطر، لا استبعد أن تكون سببا في العصف بالثورة كلها، كما كان المجلس العسكري من قبل.. في ماض ليس ببعيد.


صحفي مصري

8