الحزب الرمادي

وضعت المعادلة الصعبة حزب النور السلفي في حيرة بين السلطة والجماعة، وتعامل البعض معه من باب الطرافة على أنه يشبه الجنس الثالث، وهو شيء مختلف عن الطريق السياسي الثالث.
الثلاثاء 2019/05/07
حالة مراوحة بين الاتجاه نحو الشعبوية والتلاشي

يطلق كثيرون على أي شخص متردد وغير حاسم لفظ رمادي، يعني بالمصري “لا طعم ولا لون ولا رائحة”. وكان حزب النور السلفي في مصر موفقا عندما قال أحد قادته مؤخرا إنه “ليس معارضا ولا مؤيدا للحكومة، بل هو نوع ثالث”.

قدم المسؤول الحزبي هدية لمن فشلوا في معرفة هوية النور منذ ظهر على سطح الحياة السياسية مع الموجة الأولى للثورات العربية، وأصبح حليفا بالفطرة لجماعة الإخوان، مع أنه كان يظهر بغضا لها قبل أن يتخلى عن أعماله تحت الأرض ويكشف عن برغماتية نادرة.

لم يفوت الفرصة بعدما سقط الإخوان، وأعلن انحيازه للنظام الثاني ثم الثالث، لكن قطاعا كبيرا من الناس فشلوا في ابتلاع الطعم ولم يقبلوه ولو على سبيل سد فراغ من تعلقوا بأهداب الإخوان، واعتبروه طابورا خامسا للجماعة وليس حليفا للحكومة.

المشكلة أن الإخوان أنفسهم نبذوه ورأوه خائنا للعهدة الدينية، والحكومة نظرت إليه كبرواز يمكن وضعه في غرفة جانبية، ونقله إلى الواجهة أو غرفة الاستقبال، إذا تحدث أحد مشاغبي حقوق الإنسان عن الحريات الغائبة للإسلاميين.

وضعت المعادلة الصعبة الحزب في حيرة بين السلطة والجماعة، وتعامل البعض معه من باب الطرافة على أنه يشبه الجنس الثالث، وهو شيء مختلف عن الطريق السياسي الثالث على غرار الموجة التي اجتاحت أوروبا قبل حوالي ثلاثة عقود، حيث بدأت أحزاب تقتنع بتبنّي فكرة الطريق الثالث، في إشارة إلى رفض الرأسمالية والاشتراكية.

قدّم الحزب هدية ثمينة لمن احتاروا سابقا في تصنيفه. ولأول مرة وجدوا عبارة دقيقة ولامعة تحظى بموافقة مؤيدي ومعارضي الحكومة في مصر

تغيّرت الأمور، وتطوّرت الأحزاب، ودخلت حالة مراوحة بين الاتجاه نحو الشعبوية والتلاشي، عقب اتساع ظاهرة الجماهير التي حجبت الضوء عن عدد كبير من القوى التقليدية.

لم يستوعب النور الدروس السياسية التي تجتاح العالم، ولم يحافظ على هويته الإسلامية، التي يمكن أن تجلب له تعاطفا من المجذوبين، ولم يختَر الدوران في فلك الحكومة بلا مواربة، فقد يحصل على مزايا تمكّنه من البقاء على قيد الحياة.

اختار الحزب مسارا لم يخيب به ظن من شككوا مبكرا في ذكائه السياسي، ما جعل البعض يضعونه ضمن التعريف المتداول للجنس الثالث، لذلك ضاعف من معاناة كوادره الضالة في الشارع، لأنهم وجدوا أنفسهم في خانة واحدة مع “المثليين”، وهو ما رأت فيه شريحة من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي توصيفا مناسبا للحالة الرمادية التي يعيشها النور.

قدّم الحزب هدية ثمينة لمن احتاروا سابقا في تصنيفه. ولأول مرة وجدوا عبارة دقيقة ولامعة تحظى بموافقة مؤيدي ومعارضي الحكومة في مصر. وعليه أن ينزوي بإرادته قبل أن تهب عليه ثورة الجنس الثالث، فسماحتهم الناعمة لم يُعرف أنها صاحبة لحى كثيفة، كالتي يصر أنصار الحزب أن تكون علامتهم الوحيدة المميزة.

24