الحزب الشيوعي الإلهي وزمان الرخص الثائر

الأحد 2015/09/27

يؤمن اليسار، والحزب الشيوعي، وحزب الله، وحركة أمل والخليفة أبو بكر البغدادي بفكرة تثوير المكان. علاقتهم مع المكان ملتبسة وتضعه دوما في محل خطأ يتطلب تصحيحات قاسية وغير جراحية حتى يخرج من حال الاعتلال الدائمة. المكان مريض طالما لا يستطيع احتضان المعاني الخاصة المنسوبة إليه، وهي باتت في إطار المعاني المشتركة بل الموحدة بين الحزب الشيوعي والثنائية الحاكمة في الوسط الشيعي. تحدد شبكة المعاني هذه هوية المكان بوصفه امتداداً للثورة وانعكاساً لها، وتالياً عليه أن يكون ثورياً على الدوام وناطقاً بلغة الثورة ومعبّرا عنها.

تثوير المكان في عرف الإلهيين المستجدين والإلهيين الأصليين والعابرين إلى عالم التأليه عبر تقديس صورة الأستاذ نبيه بري يقوم على تحويل المكان، كلّ المكان، إلى “أبو رخوصة”. ليس المقصود بهذا المصطلح المعنى الذي شاع مؤخرا إثر تصريحات رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، ولكن بمعنى إشاعة الرخص في كل شيء، وتحويل هذا الرخص إلى سيكولوجيا عامة تنطق الذات من خلالها، وتمارس السياسة والحراك عبر ما تمليه عليها.

الرخص يبني “سيستاما” محكما يكون فيه مطلب تغيير الأوضاع ليس دعوة لتحسينها، ولكنه يقضي بإعادة المكان إلى ما يراه أصلا تنبع منه كل القيم ألا وهو الرخص.

يجب تحويل كل المكان إلى ساحة للرخص. هكذا يكون المطلوب هو تحويل المدينة إلى مكان رخيص بمعنى القابلية للإهدار. هذا هو التغيير المطلوب الذي من دونه لا يمكن للمكان أن يكون موجوداً وحياً وثوريا.

فكرة الرخص ليست فكرة تجارية يمكن اختصارها بالمنطق الطبقي التبسيطي الذي يهوى الشيوعيون بسطه كمنطق عام يمكن من خلاله تفسير كل شيء، ولكنه مفهوم أكثر تعقيدا، وهو موصول بشبكة إحالات واسعة وخطيرة.

الرّخص هو البنية التأسيسية التي تقوم عليها كل منظومة مقفلة إلهية كانت أو دكتاتورية. يقوم الرخص على نشر إيمان يقنع الناس أنهم رخيصون ولا يساوون شيئا على الإطلاق، وإن المجال الوحيد لهم ليكونوا شيئا هو في تعميم هذا الفراغ الذي يسكنهم ونشره ليصار بعد ذلك إلى خلق مكان الرّخص الحاضن لزمان الرّخص والإقامة الدائمة فيه.

المشهد الذي جرى مؤخرا في وسط بيروت حيث كان المتظاهرون الشيوعيون في معظمهم يطالبون بالدخول إلى ساحة النجمة، يؤكد على أن ما يسمى السلطة نجحت في خلق معادل مترهّل لها. بدا المشهد وكأن هناك حلفاً محكماً بين عجز السلطة وخواء الخطاب الشيوعي اليساري المطالب بالدخول إلى ساحة النجمة. السلطة العاجزة عن القمع الفعلي وغير القادرة عليه سمحت للمتظاهرين بالتعبير عن عجزهم عن تحقيق إنجازات فعلية وسمحت لهم بالدخول إلى ساحة النجمة.

أهدتهم السلطة العاجزة انتصاراً وهمياً انطلاقا من فهمها لمنطق الرخص الذي جاء بها، والذي لا يشكل المتظاهرون سوى بعض جماهيره ومناصريه. أهدتهم انتصارا رخيصاً كان كافيا لتحقيق نشوة عارمة ولحظوية وآنية يأتي بعدها التراخي والانكفاء.

هكذا كان فبعد احتلال ساحة النجمة وتحويلها إلى مكان رخيص يعكس زمان الرّخص لم يعد الخطاب المطلبي المتعلق بأزمة النفايات والكهرباء ومحاربة الفساد موجوداً وحيّاً. زمن الانتصارات لا يسأل عن التفاصيل ولا عن العناوين، بل هو عبارة عن نشوة متواصلة ومكتفية بذاتها لا تقبل التعب المنتج للأسئلة، ولا بإدراج الحماسات في سياق اجتماعي ما. هناك النشوة الخالصة فقط ومن يعارضها أو لا يحيا فيها سيكون خائنا وعميلا.

هناك فرق كبير بين الاستعادة والتحرير. من يعتبر المكان ملكاً له لا يتصرف معه بكل هذه العدائية التي وسمت تعاطي الشيوعيين الإلهيين مع المكان، بل يحرص على الحفاظ عليه باعتباره مقر العيش والذاكرة، ومسقط رأس الحميم والخاص القابل للتشارك. استعادة المكان التي رفعها الشيوعيون ومن معهم شعارا للعلاقة مع المكان تمثلت في جرّه إلى صيغة يكون فيها قابلا للإهدار والهتك. كانوا يقولون بوضوح إن هذا المكان ليس لنا ولن يكون لنا إلا بعد تحريره من عموميته وتحويله إلى مكان خاص بنا، يعكس دواخلنا وطموحاتنا الثورية المتماهية مع خطاب الحزب الإلهي.

هكذا وجدت السلطة نفسها مرتاحة ومطمئنة لأنّ ما كان يمكن أن يخيفها هو الخطاب العام الذي يمكن له في ظل تفاقم الأزمات المعيشية المباشرة أن يشكل حالة يمكنها كسر الولاءات الطائفية وتجاوزها.

الخاص الذي جر الشيوعيون الحراك إليه تسبب في إعادة تمكين الولاءات الطائفية، ودفع الناس الذين كانوا قد وجدوا في شبكة المطالب المحقة الذي نادى بها الحراك إثر انطلاقه صدى لآمالهم وتطلعاتهم إلى الابتعاد عن النزول إلى الشارع. تجلى هذا الأمر في التناقص الهائل لأعداد المتظاهرين الذين كانوا قد وصلوا إلى حدود الستين ألفا في مظاهرة سابقة، ولكن عددهم مع حلول بركات الشيوعيين ونزعة خصخصة الشأن العام الذي حكمت منطقهم لم يتجاوز الثلاثة آلاف على أبعد تقدير.

المكان وفق الترسيمة الجديدة عليه أن يكون ترجمة حرفية للتأويل الجديد للعلم اللبناني الذي أطلقه عضو كتلة الوفاء للمقاومة نواف الموسوي مؤخرا. الموسوي اعتبر أن الخطين الأحمرين في العلم اللبناني هما من دماء المقاومة، حيث يمثل الخط الأول دماء المقاومة التي بذلت في مواجهة العدو الصهيوني والخط الثاني الدماء التي بذلت في مواجهة التكفيريين.

هذه المعادلة الجديدة جعلت واحدية دماء المقاومة تلغي ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة السابقة. لم يعد هناك لا جيش ولا شعب بل فقط دماء المقاومة، وبما أن هذه الدماء حققت الانتصار على إسرائيل، وهي لا زالت تبذل من أجل تحقيق الانتصار على التكفيريين، فإن وزنها في الحياة اللبنانية الداخلية لن يكون أقل من التسليم للحزب ومن معه بالحق في السيطرة الكاملة على مقاليد الأمور.

الحزب الشيوعي يحاول أن يكون له وجود ضمن الخريطة الجديدة التي يحاول حزب الله رسمها. يستجيب لمتطلبات الخريطة كما حددها الموسوي فيعمد إلى إعلان استعداده للمشاركة في قتال التكفيريين في سوريا دفاعا عن الرئيس العلماني بشار الأسد، ويدرج تاريخه في قتال إسرائيل في إطار دماء المقاومة التي ينطق حزب الله باسمها.

هؤلاء التكفيريون المقصودون هم جميعا من الطائفة السنيّة، بل هم السنّة دون أيّ فرز. هكذا يهدي الحزب الشيوعي المنظومة الإلهية سلسلة من الهدايا. أبرز هذه الهدايا يتمثل في أن دخول حزب يوصف بالعلمانية على خط محاربة التكفير السنّي، يساهم بشكل كبير في رد تهمة الحرب الشيعية على السنّة ويجعلها حرب العلمانيين على التكفيريين. هكذا يمكن تأسيس ثلاثية جديدة، وهي ثلاثية الحلف العلماني ضد التكفيريين والتي تتألف من الحزب الشيوعي الإلهي، وبشار الأسد والرفيق بوتين.

هكذا يرسم حزب الله لنفسه مشهدا مخاتلا يبدو فيه وكأنه في خدمة العلمانية مع بقاء صيغة التكفير جاهزة لضم من يمكن للتطورات اللاحقة أن تضعه في موقف يتعارض مع مصالحه. هدية أخرى قدمها الحزب الشيوعي تتمثل في أنّه أقصى السنّة من المشاركة في الحراك، حيث بدا أن ما يجري هو استهداف لهم ولمرجعياتهم، إثر تحريم تناول رموز الشيعة من قبيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أو رئيس المجلس النيابي نبيه بري تحت طائلة التعرض للاعتداء. هكذا تم إلغاء الاعتراض السنّي على المستقبل وعلى القيادات السنيّة حيث أنه لم يعد ممكنا تحت ظل عنوان تعرض الطائفة للهجوم. هذه الطريقة ضمنت القضاء على الصوت السنّي المحتج والمعارض والذي كان من شأنه أن يكون جزءا فاعلا من الحراك الشعبي.

الشيوعيون يسعون لإدراج دماء شهدائهم وتاريخهم في بنية دماء المقاومة، كي يكون لهم حصة في جمهورية لبنان الجديدة التي سيحررها الحزب من أهلها ومن زمانها ومكانها، ويدخلها في زمان الرخص الثائر حيث يسود الإهدار التام لكل شيء.

كاتب لبناني

5