الحزم في سوريا بعد اليمن

السبت 2015/05/02

أثار التقدم العسكري الذي أحرزته قوات المعارضة السورية المسلحة في شمال البلاد، وتحديدا في مدينة إدلب وريفها، الكثير من الشكوك والمخاوف في صفوف النظام السوري وحلفائه. يومين فقط بعد سقوط مدينة جسر الشغور بيد المعارضة، أوفد النظام السوري وزير دفاعه إلى إيران، على الرغم من وجود مستشارين عسكريين إيرانيين في العاصمة دمشق يشكلون حلقة الوصل بين القيادتين الإيرانية والسورية. لكن الوضع “الاستثنائي” استدعى زيارة خاصة وعاجلة يتوسل النظام السوري من خلالها دعماً استثنائيا يمنع تآكله المتسارع والمنذر بالسقوط.

ومن شأن قراءة أسباب تقدم المعارضة المسلحة أن تسلط الضوء على خلفيات التقدم وحظوظ النظام السوري في كبحه. ومن ثم قراءة إمكانية أن يكون تقدما متواصلا مدفوعا بإرادة إقليمية، عربية – تركية، شحذتها “عاصفة الحزم” حتى باتت تضع حل المعضلة السورية في جدول أولوياتها.

يمكن تلمّس عاملين ساعدا في دحر قوات النظام السوري من إدلب وريفها. يتعلق العامل الأول باستنزاف قوات النظام السوري بصورة باتت تهدد تماسكها، فخلال أربعة أعوام من الحرب المستعرة، اعتمد النظام السوري على نواة الجيش الصلبة وذلك بعد انهيار العديد من القطعات العسكرية، وبعد أن بلغت نسبة الفرار من الجيش أكثر من 60 في المئة حسب بعض التقديرات.

وبسبب حرص النظام على استخدام تشكيلات عسكرية مضمونة الولاء، لم يكن قادرا على تحريك كل قواته، ما أبقى على أعداد معتبرة من تلك القوات حبيسة ثكناتها. هكذا دفع النظام السوري في حربه المجنونة بالنواة الصلبة من الجيش وقوات الأمن مدعمة بما استطاع تجنيده من شباب موالين له. بعد أقل من عام على الصراع المسلح تصدعت تلك النواة بصورة خطيرة كادت أن تؤدي إلى انهيار تام للنظام، الأمر الذي دفع به إلى الاستنجاد بقوات أجنبية، وتحديدا بقوات حزب الله وبعض الميليشيات الطائفية العراقية وخبراء عسكريين إيرانيين.

نجح النظام السوري في تدعيم نواته الصلبة، واستطاع الوقوف مجددا على قدميه ليتقدم في منتصف العام 2013 بعد عام من التراجع في كل المناطق السورية. استفاد النظام من بروز تنظيم الدولة الإسلامية في منتصف العام 2013 واستنزافه لقوات المعارضة السورية في معارك شرسة كبدتها خسائر كبيرة.

تغير المشهد مجددا مع نهاية العام 2014 وبداية العام الحالي، إذ انسحبت القوات الطائفية العراقية لتدافع عن النظام العراقي المتداعي، فيما استنزفت قوات حزب الله في سوريا وخصوصا بعد أن انتشرت على عدة جبهات للقتال. ويبدو ذلك واضحا من التقارير التي تتحدث عن تزايد أعداد القتلى في صفوف حزب الله والذين يشيعون في معقله في الضاحية الجنوبية. الحقيقة أن المعركة التي خاضها حزب الله قبل أكثر من عام في منطقة القلمون الوعرة، والتي ظهر أنه حقق فيها “نصرا إلهيا” كما تحب آلته الإعلامية أن تدعي، كانت ولا تزال معركة استنزاف شرسة خاضتها قوات المعارضة على مدى عام ونصف العام، حيث تحصنت تلك الأخيرة في مناطق وعرة، وشرعت في تنفيذ ضربات سريعة وخاطفة كان لها على المدى الطويل أثر واضح في تصدع بنية حزب الله المقاتلة في سوريا.

العامل الثاني في التقدم العسكري للمعارضة السورية يتمثل في الاهتمام الإقليمي غير المسبوق بسير المعارك في شمال سوريا. وقد تبدّى ذلك الاهتمام بالضغوط الكبيرة التي مورست على عدة فصائل من أجل التوحد في ما أطلق عليه “جيش الفتح”، وتشكيل غرفة عمليات عسكرية مشتركة. كما شمل الاهتمام الإقليمي زيادة ملحوظة في الدعم العسكري، وخصوصا الصواريخ المضادة للدروع التي استخدمتها المعارضة المسلحة بكثرة في معاركها الأخيرة، في حين كانت تستخدمها بتقتير شديد في السابق. يضاف إلى ذلك الدعم بالمدفعية الثقيلة والذخائر والتي كان غيابها عاملا حاسما في عدم تمكن المعارضة المسلحة من اقتحام العديد من المراكز الأمنية والعسكرية للنظام رغم حصارها لفترات طويلة بلغت عامين في بعض الحالات، من دون أن تتمكن من اقتحامها. والحقيقة أنها لم تكن ترغب في اقتحامها بسبب الخسائر الكبيرة المرجح أن تقع في صفوفها بسبب غياب الكثافة النارية الكبيرة التي تمهد للاقتحام.

تبقى معرفة حجم التغيير الذي طرأ على اهتمام الدول الإقليمية بسير المعارك في سوريا، وبحسم المسألة السورية التي شكلت الساحة الأبرز لنشاط إيران في المنطقة خلال السنوات الماضية. يجري الحديث عن أن مغامرة الحوثيين وإيران في اليمن، والتي بلغت ذروتها بالسيطرة على العاصمة صنعاء وملاحقة الرئيس عبدربه منصور هادي، كانت القشة التي أنهت سنوات من الحذر السعودي في ما يخص مواجهة النظام السوري المدعوم من إيران. التدخل الإقليمي الحذر جعل من التدخل الإيراني والروسي أكثر رسوخا واندفاعا، وتاليا أكثر عنادا ورفضا لأي تسوية سياسية.

ربما ننتظر بضعة أسابيع لمعرفة ما إذا كانت إرادة الدول الإقليمية المناهضة للنظام السوري، وخصوصا السعودية وتركيا، باتت أكثر “حزما” في سوريا بعد اليمن.

كاتب فلسطيني سوري

8