الحزن الشديد يضعف جهاز المناعة

فقدان الأحبة أو الأهل والأقارب يدخل الإنسان في جملة من المشاعر السلبية، التي قد تقوده إلى حافة الانهيار نفسيا وبدنيا، وقد تكلفه حياته في أحيان كثيرة.
الاثنين 2016/11/28
تأثير الحزن يكون أعمق وأخطر على المسنين

لندن - الحزن شعور طبيعي وظرفي يمكن أن يمرّ بسلام إذا تمكن الشخص الحزين من تجاوز أعراضه والتخلص من مخلفاته في أسرع وقت ممكن، دون السقوط في متاهات الانعزال والاكتئاب والإعراض عن الحياة.

وقد كشفت دراسة حديثة كيف أن الحزن الشديد على فقدان شخص عزيز يمكن أن يوهن قدرة الجسم على مكافحة الأمراض المعدية.

ووجد العلماء أن التوتر العاطفي لفقدان المحبوب يمكن أن يقود إلى كبت أجزاء من جهاز المناعة، وهذا بدوره يمكن أن يجعل الأقارب الحزانى أكثر عرضة للعدوى من البكتيريا.

وهذه النتائج قد تساعد في تفسير الحوادث المثيرة للاهتمام للأرامل من النساء والرجال الذين ماتوا بعد أيام أو حتى ساعات قليلة من وفاة أزواجهم.

وأشارت صحيفة ديلي تلغراف إلى أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جيمس كالاهان توفي بالتهاب رئوي عام 1995 عن عمر ناهز 92 عاما بعد عشرة أيام فقط من وفاة زوجته أودري التي كانت في الـ67 من عمرها. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.

وقد اكتشف اختصاصيو علم المناعة بجامعة برمنغهام البريطانية أن مستويات التوتر والاكتئاب المتزايدة التي يسببها الحزن يمكن أن تتدخل في وظيفة نوع من خلايا الدم البيضاء المعروفة باسم “الخلايا العَدِلة” -أكثر أنواع كريات الدم البيضاء غزارة في الإنسان وتشكل قسما رئيسيا من الجهاز المناعي- المسؤولة عن مكافحة الأمراض البكتيرية المعدية مثل الالتهاب الرئوي.

ويصبح التأثير أعمق في المسنين حيث أنهم مع تقدم السن يفقدون القدرة على إنتاج الهرمون الذي يستطيع مكافحة هذا التأثير الموهن، وهو ما يعني أن حتى كبار السن الذين كانوا أصحاء في ما مضى يمكن أن يقعوا ضحايا المرض عقب وفاة عزيز عليهم.

وقالت الأستاذة جانيت لورد التي قادت أحد البحوث العلمية إن هناك حكايات مؤثرة عن أزواج دامت عشرتهم أكثر من أربعين عاما، وعندما تُوفي أحد الزوجين لحق به الآخر بعد أيام قليلة. ويبدو أن هناك أساسا بيولوجيا لذلك، وهو أنهم بدلا من الموت من انفطار القلب يموتون من انكسار جهاز المناعة وعادة ما يصابون بأمراض معدية.

وبإجراء تجارب على أجهزة المناعة ومستويات الهرمونات لدى عدد من المسنين الأصحاء، تبين أن التأثير المضاد للبكتيريا بالخلايا العدلة للمشاركين الحزانى قلّ بدرجة كبيرة، مقارنة بأولئك الذين لم يعانوا أيّ حزن. كما زادت مستويات هرمون التوتر المعروف بالكورتيزول الذي يكبت نشاط الخلايا العدلة ويجعلها أقل نشاطا.

مستويات التوتر والاكتئاب المتزايدة التي يسببها الحزن يمكن أن تتدخل في وظيفة نوع من خلايا الدم البيضاء

ومن المعلوم أن معظم الشباب الأصحاء ينتجون هرمونا ثانيا يرمز له بـ“دي إتش إي إيه” الذي وجد الباحثون أنه يمكن أن يركز هذا التأثير الذي يسمح لأجهزتهم المناعية بتأدية وظيفتها بطريقة منتظمة. لكن مع تقدم السن يفقد المسنون القدرة على إنتاج النوع الثاني من الهرمون، ومن ثم يصيرون أكثر عرضة للمرض في لحظات التوتر.

كما اكتشف الباحثون أن الإصابة بكسر في الحوض يمكن أن يقود أيضا إلى هذا الاختلال الهرموني الذي يكبت جهاز المناعة.

وهذا يساعد في تفسير سبب أن نحو 25 بالمئة من الناس فوق سن الثمانين الذين يعانون من كسر بالحوض يموتون لاحقا بعد مدة تقارب السنة. أما أولئك الذين يعانون من اكتئاب أو مستويات مرتفعة من التوتر نتيجة لإصابتهم، فقد تقل لديهم الاستجابات المناعية ويكونون عرضة للوفاة.

وأثبت باحثون أن مصطلح “انكسار القلب” يعبر، علميا، عن حالة مرضية لها أعراض مشابهة للجلطة. وبدأ استخدام مصطلح “متلازمة القلب المكسور” مطلع تسعينات القرن الماضي للتعبير عن هذه الحالة التي تؤدي إلى الشعور بألم في الصدر ليس بسبب انسداد أوعية دموية ولكن بسبب حالة نفسية ناتجة عن انفصال عاطفي أو فقدان عزيز.

وكان اليابانيون أول من رصدوا هذه الظاهرة لدى المسنات اللاتي فقدن أزواجهن، وأطلقوا عليها اسم “تاكوتسوبو”.

ومع الوقت ربط العلماء هذه الظاهرة بالأعراض التقليدية التي تحدث بعد صدمة عاطفية، مثل الشعور بوجع في القلب وقلة النوم وألم البطن والقلق المستمر وعدم القدرة على التركيز، علاوة على ضعف جهاز المناعة وضيق التنفس.

ورغم قسوة هذه الأعراض في بعض الأحيان إلا أن أغلب الناس يمكنهم تجاوز الأمر دون مساعدة متخصصة سواء طبية أو نفسية.

وتقول رئيسة الجمعية الألمانية للطب النفسي إريس هاوت، في تصريحات نشرتها صحيفة “دي فيلت” الألمانية “إن التأثيرات الجسدية للمشكلات النفسية مسألة معروفة ويمكن أن تصل حدتها في بعض الأحيان إلى مستويات مرتفعة وهو أمر يختلف من شخص إلى آخر وكذلك من تجربة إلى أخرى”.

وأظهرت دراسات أجريت في الولايات المتحدة أن الألم النفسي ينشّط نفس المناطق في المخ المسؤولة عن الألم الجسدي. وأحيانا تتجاوز تداعيات الصدمات العاطفية الألم الجسدي لتصل إلى محاولات الانتحار أو حالات الاكتئاب الحادة وعدم القدرة على التركيز.

ويرجع الأطباء أسباب الآلام التي تصاحب الصدمات العاطفية إلى زيادة إفراز هرمون الضغط العصبي الذي يتسبب في ضيق الأوردة الدموية للقلب وبالتالي لا تتمّ عملية ضخ الدم بالشكل المطلوب فتظهر آلام في تلك المنطقة من الجسم تشبه أعراض الجلطات.

ويمكن علاج هذه الأعراض طبيا عن طريق الأدوية المعالجة للضغط العصبي، إلا أن هذا لا يمنع أن ما بين أربع وخمس من الحالات قد تنتهي بالوفاة ولا سيما لدى كبار السن الذين لا يمكنهم تحمل وفاة أقرب الأقرباء، وفقا لتقرير نشرته مجلة “فوكوس” الألمانية.

17