الحسابات الإقليمية تعيق لم شمل ممثلي الشعب السوري

الأحد 2015/01/25
معارضة مكسورة الجناح أم كيانات مرهونة بتوازنات إقليمية حرجة

القاهرة - في أجواء مليئة بعدم التفاؤل بمستقبل المعارضة السورية، اختتمت في القاهرة أمس (السبت) فعاليات اللقاء التشاوري الأول بين أطراف من المعارضة السورية لتوحيد الرؤى، وللتوصل إلي صيغة مشتركة ومقبولة، يمكن من خلالها الانفتاح على قوى إقليمية، وإعطاء الفرصة لبعض الوساطات الدولية، أملا في إيجاد حل سياسي للأزمة المستمرة منذ أربعة أعوام.

اجتمع في القاهرة طيف من القوى السياسية والشخصيات الوطنية من أجل التداول في الأوضاع المصيرية التي تمر بها سوريا بهدف وضع رؤية وخارطة طريق مشتركة تعبر عن أوسع طيف من المعارضة، لكن انتهى اللقاء دون أن يوضّح حالة الالتباس التي تحوم حول العديد من النقاط المهمة والضرورية لتوضيح الخط العام وقواعد الارتكاز الأساسية، التي تشكل الإطار العام للمعارضة في مواجهة النظام السوري، منها على سبيل المثال طبيعة القوى الحقيقية التي تمثلها أطراف المعارضة الحاضرة للقاء القاهرة، وهل لقاء القاهرة يمثل جميع أطياف المعارضة السورية فعلا أم لا.

بالإضافة إلى ذلك لم تتكشّف بعد أسرار انسحاب بعض التيارات التي حلّت بالقاهرة لحضور اللقاء، مثل تيار بناء الدولة، أحد أهم أطياف المعارضة بالداخل، وما هو وضع مؤتمر موسكو المتوقع انعقاده قريبا بالنسبة إلى هذا اللقاء؟ وهل لقاء القاهرة يمثّل خطوة تمهيدية لمؤتمر موسكو، الذي من المفترض أن يجمع لأول مرة أطراف من المعارضة مع وفد رسمي، يمثل النظام السوري؟ أم أن مؤتمر القاهرة سيكون بديلا، وهل لقاء القاهرة لا علاقة له بمؤتمر موسكو؟

أسئلة حائرة كثيرة، انفض المؤتمر، ولا تزال تبحث عن إجابات شافية، الأمر الذي كشف عن عمق الجراح التي تعاني منها المعارضة السورية.

كان تيار بناء الدولة السورية، قد انسحب من اليوم الأول للقاء القاهرة (يوم 22 يناير) دون إعطاء سبب واضح لهذا الموقف، وهو ما اعتبره البعض يندرج ضمن إطار الخلاف بين قوى المعارضة، حول كيفية التعامل مع بعض النقاط الخاصة ببقاء بشار الأسد في الحكم، مع إجراء إصلاحات كتمهيد للفترة الانتقالية التالية.

صالح النبواني، عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق السورية (معارضة الداخل)، رفض التعليق على انسحاب وفد تيار بناء الدولة، مؤكدا أنهم “لم يعطوا تفسيرا ولم يعلنوا سببا لهذا الموقف”.

المعارضة السورية تؤكد في بيانها على أن أيّ حل سياسي واقعي يحتاج إلى الغطاء الدولي والإقليمي الضروريين والاحتضان الشعبي الواسع.

ويسعى تيار بناء الدولة من داخل سوريا، وبمساندة من أعضائه في الخارج، للتعامل مع الساحة السياسية السورية، بما يخدم رؤيته المستقبلية ويستند في ذلك إلى بنية تنظيمية واضحة ونشاطات سياسية متعددة، ويقوم بتقديم مبادرات للتعامل مع الوضع الراهن مثل رؤيته للحل الوطني.


بيان بألوان الطيف


قرأ الفنان السوري جمال سليمان، أحد الشخصيات السورية المستقلة التي حضرت لقاء القاهرة، بيان المؤتمر الختامي تحت عنوان “بيان القاهرة من أجل سوريا”، وأكد على تصاعد وتيرة العنف والتدمير للدولة والمجتمع. وأشار إلى إصرار السلطة منذ البداية على تجاهل المطالب الشعبية في الإصلاح والتغيير، الأمر الذي كان سببا في زيادة حدة العنف والتطرف والإرهاب وإغلاق أيّ أفق لحل سياسي لأزمة المجتمع والدولة.

ناشد البيان قوى المعارضة ضرورة استنهاض قواها ومؤيديها من أجل إعادة برنامج التغيير الديمقراطي إلى مكانته الطبيعية، لأنها وحدها قادرة على تخليص الإنسان السوري من آفات الاستبداد والفساد والإرهاب.

وأشار إلى الدور الذي قام به المجلس المصري للشؤون الخارجية، الذي دعا المعارضة السورية للاجتماع في القاهرة خلال الفترة من 22- 24 يناير، في جمع العديد من القوى السياسية والشخصيات الوطنية السورية، من أجل التداول في الأوضاع المصيرية التي تمرّ بها سوريا، بهدف وضع رؤية وخارطة طريق مشتركة تعبر عن أوسع طيف من المعارضة، وتوحيد الجهود والمساعي لإحياء الحل السياسي التفاوضي طبقا لـ”بيان جنيف”، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

اتفق المجتمعون، وفق البيان الختامي، على أهمية اتخاذ الخطوات العملية مع مختلف أطراف المعارضة السورية، على أسس موحدة ترى أن الخيار السياسي الوطني ينطلق من مقومات جوهرية أساسها الحفاظ على وحدة سوريا أرضا وشعبا، وتأكيد استقلالها واحترام سيادتها، والحفاظ على الدولة السورية بكامل مؤسساتها من خلال تنفيذ “بيان جنيف” وخاصة البند الخاص بإنشاء هيئة حكم انتقالية مشتركة كاملة الصلاحيات، تكون مهمتها الإشراف على عملية الانتقال الديمقراطي ضمن برنامج زمني محدد وبضمانات دولية.

النقاط العشر لبيان "القاهرة من أجل سوريا"
وضع المشاركون في اجتماع القاهرة وثيقة من عشر نقاط تنص بالخصوص على حل سياسي للحرب في سوريا يضمن التغيير الديمقراطي الجذري الشامل ويجرم العنف والطائفية، وهذه النقاط هي:

1 - الهدف من العملية التفاوضية الانتقال إلى نظام ديمقراطي ودولة مدنية ذات سيادة، وأن الحل في سوريا هو حتماً حل سياسي وطني.

2 - الاتفاق على عقد اجتماعي وميثاق وطني مؤسس لدولة ديمقراطية حديثة تؤصّل الحريات السياسية والحقوق المدنية وتقوم على مبدأ المواطنة والمساواة بين السوريين في الحقوق والواجبات والمساواة بين الجنسين وضمان حقوق كامل المكونات القومية للشعب السوري في إطار اللامركزية الإدارية.

3 - يحتاج أي حل سياسي واقعي الغطاء الدولي والإقليمي الضروريين، والاحتضان الشعبي الواسع، الأمر الذي يتطلب تسوية تاريخية تجسد طموحات الشعب السوري وثورته وتبنى على أساس“بيان جنيف” وبضمانات دولية واضحة مع الترحيب بالجهود الدولية المختلفة للتسوية.

4 - إن عدم اتحاد جهود المعارضة كان عاملا سلبيا وسببا من أسباب استدامة النزاع، لذلك نرى أن وحدة موقف المعارضة واجب ومطلب وطني.

5 - إن انطلاق العملية السياسية يحتاج إلى إجراءات ضرورية تتطلب من كل الداعمين لإنجاح الحل السياسي العمل المشترك للإفراج عن جميع المعتقلين والمعتقلات، والمخطوفين والمخطوفات، والتعهد باحترام القانون الدولي الإنساني، بوقف جرائم الحرب وقصف المدنيين وحرمانهم من شروط الحياة الطبيعية، ووصول الاحتياجات الغذائية والدوائية والإغاثة إلى كل المناطق المحاصرة، ورفع العقوبات الاقتصادية الجائرة التي تمس حياة المواطنين، وتأمين الشروط الضرورية لعودة النازحين والمهجرين.

6 - لابد من اتفاق مبدئي بين كل الأطراف السورية لإنهاء مختلف أشكال الوجود العسكري غير السوري، من أيّ بلد أو طرف جاء ولأيّ طرف انضم، باعتبار أن وجود المقاتلين غير السوريين، ضاعف من حجم الكارثة ودمر وحدة النسيج المجتمعي السوري وحرم السوريين من مباشرة حل مشكلاتهم بأنفسهم.

7 - إن إنجاز الحل التفاوضي سيفرض على جميع الأطراف الالتزام بمبدأ حصر حمل الدولة للسلاح. الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، ودمج القوى المعارضة العسكرية المشاركة في الحل السياسي، مما يضمن تحول مهمة هذه المؤسسات إلى حماية استقلال الوطن وسيادته وتوفير الكرامة والأمان لكل السوريين.

8 - مطالبة الشرعية الدولية بتحمل مسؤولياتها القانونية في تجفيف منابع الإرهاب. ومطالبة جميع الدول باحترام قرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب، وبشكل خاص القرارين رقم 2170 و2178.

9 - الحل السياسي الذي يضمن التغيير الديمقراطي الجذري الشامل ويجرّم العنف والطائفية وهو الشرط الموضوعي لاستنهاض السوريين وتعبئتهم في محاربة التنظيمات الإرهابية التي انتشرت في سوريا والمهددة لحاضرها ومستقبلها.

10 - التحضير لمؤتمر وطني سوري يعقد في القاهرة في الربيع المقبل وتشكيل لجنة تتابع الاتصالات مع أطراف المعارضة السورية للتحضير للمؤتمر والمشاركة فيه، والترويج لمخرجات لقاء القاهرة بالتواصل مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية للمساهمة بالوصول إلى الحل السياسي المنشود وفق بيان جنيف.

وحمل البيان العديد من المفاجآت، وألقى الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل مؤتمر موسكو الذي تحاول فيه روسيا جمع أطراف المعارضة مع نظام بشار الأسد، لا سيما أنه لم يتطرق من بعيد أو قريب لمؤتمر موسكو، الذي يعوّل عليه الكثير من أبناء الشعب السوري للخلاص من جحيم الحرب، مهما كانت الصورة النهائية.


مقاطعة مؤتمر موسكو


وسبق أن أعلنت قوى سياسية رفضها تماما حضور مؤتمر موسكو، ومنها الائتلاف الوطني لقوى الثورة وهو ما أكده لـ”العرب” قاسم الخطيب، عضو الائتلاف السوري قائلا: “موقفنا من مؤتمر موسكو واضح، وصريح وهو عدم الحضور سواء بشكل رسمي أو من خلال أشخاص”.

هيئة التنسيق السورية أيضا مازال موقفها من حضور مؤتمر موسكو غامضا، وعزّر تصريح صفوان عكاش، المسؤول بالهيئة، هذا الغموض حيث قال في تصريحات لـ”العرب”: “هذا الأمر سيترك لحرية الأعضاء داخل هيئة التنسيق، وربما يكون هناك أشخاص يتم تخويلهم بحضور مؤتمر موسكو، لكن الموقف الرسمي للهيئة غير واضح”.

قدم بيان القاهرة لأول مرة خطوة جديدة لم تكن مطروحة من قبل، وهي مؤتمر ثان بالقاهرة يعقد في أبريل القادم، وسيكون أشمل وأوسع من اللقاء الأول، وسوف يضم أطرافا أخرى من المعارضة، لم تكن مدعوة من قبل، وهذا البند طرح تساؤلات حول أهمية لقاء القاهرة الحالي.

مصادر بالمعارضة السورية في الخارج، أبدت لـ”العرب” عدم تفاؤلها بنتائج اجتماع القاهرة، مشيرة إلى أن هناك التباسا في فهم معارضة الداخل، التي تمثلها “هيئة التنسيق السورية”، للموقف المصري، لافتة إلى أن أعضاء من معارضة الداخل وتيارات أخرى في الائتلاف السوري المعارض اعتقدوا أن القاهرة تدعم بشار الأسد وتحاول الحصول على مواقف محددة من المعارضة السورية، تصب في النهاية في صالح النظام السوري الرسمي، في حين أن القاهرة أعلنت أكثر من مرة أنها “مع إرادة الشعب السوري وهذا لا يعني أنها تدعم نظام بشار”.

وعزت المصادر -التي فضلت عدم ذكر اسمها- ترحيب هيئة التنسيق السورية بحضور مؤتمر القاهرة إلى اعتقادها أن مصر تدعم الأسد، لافتة إلى أن هناك تيارات محسوبة على المعارضة وشخصيات مستقلة لم تحضر الاجتماع، بسبب الغموض الذي يحيط بأجواء اجتماع القاهرة، حتى أن بعض شخصيات الائتلاف السوري المعارض، التي تمّ توجيه الدعوة إليها حضرت إلى القاهرة، ولم تشارك في اجتماع المجلس المصري للشؤون الخارجية، مشيرة إلى عدم وجود تناغم مصري مع المعارضة السورية، وأن الخارجية المصرية لديها وجهة نظر مختلفة في هذا الشأن.

هيثم مناع، عضو هيئة التنسيق الوطنية السورية، قال في المؤتمر إن مصر تقوم بدور فعّال لحل الصراع في سوريا، مؤكدا أن ابتعادها عن المشكلة السورية سمح لأطراف معينة أن تلعب دورا سلبيا، مضيفا أنها قادرة على لعب دور بعلاقاتها الإقليمية والدولية، ولم تكن بعيدة عن مشاكل المواطن السوري.

وقد علمت “العرب” أن التمثيل الرسمي للائتلاف السوري تم تحجيمه –ربما عن قصد- وظهر ذلك من خلال عدم حضور نائب رئيس الائتلاف السوري هشام مروة وعضو الائتلاف مصطفي درويش اللذين كانا من المفترض أن يمثلا الائتلاف السوري بشكل رسمي بعد تفويض خالد خوجة رئيس الائتلاف الجديد لهما، واكتفى التمثيل الرسمي للائتلاف بحضور قاسم الخطيب المقيم في القاهرة .

وقالت مصادر في المعارضة إن المدعوين من الائتلاف الوطني السوري، ينتمون لمجموعة يترأسها رئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا، فيما تم استثناء التجمع الوطني السوري (ميشيل كيلو)، والتيار الإسلامي عموما، وإعلان دمشق وحزب الشعب (جورج صبرا)، والمجالس المحلية (مصطفى الصباغ)، وكتلة الأركان والمجلس العسكري الأعلى، والتيار الشعبي الناصري (خالد الناصر)، والحراك الثوري بكافة قواه، ومجلس القبائل العربية (سالم المسلط)، وشخصيات مستقلة مثل رياض سيف ومنذر ماخوس وآخرين.

وكان لمستقبل الكيانات العسكرية الموجودة على الأرض في سوريا نصيب من علامات الاستفهام والغموض التي أحاطت بالعملية التفاوضية في القاهرة، لا سيما أنه من غير الواضح مدى علاقة التيارات السياسية التي تمثل المعارضة بالكيانات العسكرية التي تدير المعركة على الأرض في سوري.

6