الحسكة مدينة إستراتيجية يتطلع إليها الجميع

الخميس 2016/08/25
الأكراد يسعون إنشاء حكم ذاتي عليها على غرار كردستان العراق

الحسكة (سوريا) - تقاسم الأكراد والنظام السوري السيطرة على مدينة الحسكة منذ العام 2012، إلا أن المعارك الأخيرة انتهت بتمكين الأكراد لتواجدهم في هذه المدينة الإستراتيجية لينحصر حضور الحكومة السورية في مؤسساتها الرسمية.

وتعد المعارك التي اندلعت في 17 اغسطس، ودامت أسبوعا، الأعنف بين قوات النظام والمقاتلين الأكراد منذ بدء النزاع قبل خمس سنوات.

كيف انتهت المعارك

كانت مدينة الحسكة مقسمة بين الأكراد الذين يسيطرون على ثلثي المدينة، وقوات النظام في الجزء المتبقي منها، لكن خلال المعارك الأخيرة تمكن المقاتلون الأكراد من التقدم وباتوا يسيطرون على 90 في المئة منها، فيما انحصر تواجد قوات النظام في المؤسسات الحكومية وسط المدينة. وسكان مدينة الحسكة هم 55 في المئة من العرب مقابل 45 في المئة من الأكراد، وفق تقديرات الخبير في الشؤون والجغرافيا السورية فابريس بالانش.

وانتهت المعارك الثلاثاء بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار برعاية روسية نصّ، وفق ما أعلن الأكراد، على “انسحاب القوات المسلحة من المدينة، وتسلّم وحدات حماية الشعب الكردية مواقعها إلى قوات الأمن الداخلي (الكردية) الأسايش”.

ويفوق عدد القوات الكردية في مدينة الحسكة عدد قوات النظام السوري والمسلحين الموالين لها. وتتضمن القوات الكردية كلا من وحدات حماية الشعب الكردية التي تعد بمثابة “جيش الأكراد”، وقوات الأسايش وهي بمثابة “جهاز الشرطة والمخابرات”. أما من جهة النظام فتنتشر أساسا قوات الدفاع الوطني، وهي عبارة عن مقاتلين عرب موالين للحكومة السورية، فيما يقتصر تواجد القوات النظامية على البعض من الحواجز والمؤسسات الحكومية.

واشنطن تدعم وحدات حماية الشعب الكردية، إذ تعتبرها القوة الأكثر فعالية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية

من هي القوى الداعمة

تدعم واشنطن وحدات حماية الشعب الكردية، إذ تعتبرها القوة الأكثر فعالية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. وتشكل الوحدات حاليا العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية التي تحظى بدعم جوي من التحالف الدولي وتمكنت من طرد الجهاديين من مناطق عدة. وبالإضافة إلى الدعم الجوي، أرسلت واشنطن العشرات من العسكريين على الأرض لدعم الأكراد في معاركهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وسارعت واشنطن بعد القصف الجوي السوري ضد الأكراد إلى تحذير دمشق من شن غارات تعرض سلامة مستشاريها العسكريين العاملين مع الأكراد على الأرض للخطر، حتى أنها تدخلت للمرة الأولى لحماية مستشاريها من الطائرات السورية عبر إرسال مقاتلات، من دون أن تحصل مواجهة بين الطرفين.

على الجانب الثاني، تعد روسيا أحد الداعمين الرئيسيين سياسيا وعسكريا لدمشق، وهي تقدم الغطاء الجوي للجيش السوري منذ نهاية سبتمبر، لكنها تحتفظ في الوقت ذاته بعلاقات طيبة مع الأكراد. ومنعا للمزيد من تدهور الأمور، رعت روسيا المفاوضات بين الطرفين التي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار.

أما تركيا وللمرة الأولى منذ بدء النزاع السوري، فتحدثت بإيجابية عن عمل قام به النظام السوري وهو شن الغارات ضد المقاتلين الأكراد. وتصنف أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية، وذراعها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي، مجموعات “إرهابية” وتعتبرهما جزءا من حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمردا ضدها.

ما هي أهمية الحسكة

تقع محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا، وتحدها تركيا من الجهة الشمالية والعراق من الجهة الشرقية. ولهذه المحافظة أهمية اقتصادية لأنها كانت المورد الأساسي للقمح في سوريا، كما تشتهر بزراعة القطن، فضلا عن الحقول النفطية التي تتركز في ريفها الجنوبي.

ويقول الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير أوغلو “من وجهة نظر الأكراد، تعد الحسكة مركزا إداريا لهم فضلا عن موقعها الإستراتيجي لحماية المنطقة الكردية (حيث الإدارة الذاتية الكردية)”.

ويسيطر الأكراد على الجزء الأكبر من المحافظة، فيما تسيطر قوات النظام على عدد من القرى ذات الغالبية العربية في محيط مدينتي القامشلي والحسكة. ويتواجد تنظيم الدولة الإسلامية في الريف الجنوبي الحدودي مع محافظة دير الزور.

ويقول مصدر مقرب من النظام “خسارة السلطة المركزية (في دمشق) لمحافظة إستراتيجية في سوريا، محاذية للمناطق ذات الغالبية الكردية في تركيا والعراق، من شأنها أن تعزز طموحات السوريين الأكراد للحكم الذاتي إن لم تكن للاستقلالية”.

ما هي الإستراتيجية الكردية

يشكل الأكراد حوالي 15 في المئة من سكان سوريا، وقد عانوا من التهميش من السلطة المركزية على مدى عقود قبل اندلاع النزاع في العام 2011، إذ أن فئة كبيرة منهم محرومة من الجنسية السورية، كما كان يمنع عليهم تعلم لغتهم أو الكتابة بها أو إحياء تقاليدهم مثل احتفالات عيد النوروز. ومنذ اندلاع النزاع، حاول الأكراد تحييد أنفسهم عن النظام والفصائل المعارضة المقاتلة على حد سواء. ومع اتساع رقعة النزاع في العام 2012، انسحبت قوات النظام تدريجيا من المناطق ذات الغالبية الكردية محتفظة بمقار حكومية وإدارية والبعض من القوات في المدن الكبرى.

وأعلن الأكراد إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مناطق كوباني وعفرين (ريف حلب الشمالي والغربي) والجزيرة (الحسكة)، أطلقوا عليها اسم “روج آفا” (غرب كردستان). وفي مارس الماضي، أعلنوا النظام الفدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال سوريا. ويسيطر الأكراد حاليا، وفق فابريس بالانش، على 18 في المئة من الأراضي االسورية حيث يعيش ما يقارب مليونيْ نسمة.

ويسعى الأكراد إلى تحقيق حلم طال انتظاره بربط مقاطعاتهم الثلاث من أجل إنشاء حكم ذاتي عليها على غرار كردستان العراق. وفي سبيل ذلك، خاضوا أعنف المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية، كما عمدوا إلى تثبيت تواجدهم في محافظة الحسكة ومدينتي القامشلي والحسكة الرئيسيتين، ما ترجم بمواجهة قوات النظام.

6