الحسم ونبذ التردد ضمن عناوين قمم مكة الثلاث

السعودية تلقي بثقلها لإعادة رسم ملامح المنطقة وتحديد مساراتها.
الجمعة 2019/05/31
قمم مفتوحة على المستقبل

القمم الثلاث المنعقدة في مكّة المكرّمة تشّكل أوسع منصّة وأنسب أرضية لصياغة موقف واضح وموحّد من التطورات الخطرة الجارية في المنطقة، ولوضع أسس مشتركة لمواجهتها بشكل يحد من مخاطرها وتداعياتها على الشعوب العربية والإسلامية، الأمر الذي يضع مسؤولية خاصة على كل الدول المشاركة في تلك القمم.

مكّة المكرمة - تحوّلت مكّة المكرّمة بكل ما لها من رمزية دينية وتاريخية، إلى مصدر لتوجيه سيل من الرسائل السياسية إلى مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وذلك باحتضانها ثلاث قمم في ظرف شديد الحساسية ومحفوف بالمخاطر جرّاء بلوغ التوتّر بين إيران ومحيطها الإقليمي والدولي حافّة الصدام المسلّح.

ومع انطلاق مداولات القمّتين الخليجية والعربية الطارئتين، وعشية انطلاق القمّة الإسلامية العادية، تداولت وسائل الإعلام، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع عبارات من قبيل “الحزم” و“الحسم” و“عدم التردّد”، و“وضوح المواقف”، كعناوين مقترحة للقمم الثلاث، توضّح ما هو مطلوب من تلك القمم لجهة إصدار مواقف واضحة واتخاذ إجراءات فاعلة لمواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة وعلى رأسها الخطر الإيراني.

واتسعت دائرة التكهنات التي فرضها غياب المعطيات والمعلومات، وحتى التسريبات، الأمر الذي دفع بسيل إضافي من التقديرات في سياق رصد سياسي لتحديد اتجاهات المقاربات المُنتظرة لاحتواء التطورات العاصفة للأحداث التي تشهدها المنطقة.

غير أن ذلك، لا يمنع من التوقف عند جملة من المؤشرات الدالة على أن هذه القمم الثلاث ستبعث بجملة من الرسائل الهامة التي ستُفسر أبعادها وغاياتها، لجهة تحديد سقف تحرك الدول العربية والإسلامية لمواجهة التحديات الماثلة، بما من شأنه إعادة صياغة تشكيل الواقع الراهن وفق معادلات جديدة تتجاوز ارتباك الحاضر، إلى رسم ملامح مشهد جديد بأبعاد تكون فيه لحظة الحسم قاب قوسين.

وتبدأ تلك المؤشرات بتوقيت هذه القمم، الذي يُعد جزءا من معادلة الحسابات السياسية، حيث تُعقد على وقع تزايد التوتر العربي الإيراني، وكذلك أيضا التصعيد الأميركي الإيراني الذي يُنذر بمواجهة وشيكة، يصعب معها الفصل في الاتجاهات التي سترسم ملامح مسارات المنطقة في قادم الأيام ولا تنتهي عند دلالات مكان عقد هذه القمم، أي مكة المكرمة، برمزيتها الدينية لدى أكثر من ملياري مُسلم ينتشرون في مختلف أنحاء العالم، ما يعني أن التصدي لمجمل تلك التحديات، بما فيها الخطر الإيراني الذي وصل إلى سقفه النهائي، وبات يستدعي الحسم فيه.

ومن خلف تلك المؤشرات، يبرز تصميم لدى السعودية التي اختارت زمان ومكان عقد هذه القمم دفعة واحدة، على ألا تكون مجرد أرقام تُضاف إلى سلسلة القمم الإسلامية والعربية والخليجية السابقة، سواء أكانت عادية أم طارئة أو استثنائية، خاصة وأن التحديات التي تواجه المنطقة عميقة وضاغطة.

ويتضح ذلك من خلال ردود الفعل إزاء هذه التطورات، وما رافقها من تحركات سياسية وأخرى ميدانية تؤكد أن السعودية مُستفيدة من مكانتها كمركز ثقل استراتيجي إقليمي ودولي، دفعت بأوراقها العربية والإسلامية استعدادا للحظة الحسم لرسم مسارات جديدة بما يُعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتدفع تلك المؤشرات نحو التأكيد على أن الحسم في تلك المخاطر والتحديات لن يطول، حيث بدا ذلك واضحا في كلمة وزير الخارجية السعودي، إبراهيم العساف في اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي التي أكد فيها على ضرورة التصدي بقوة وحزم للتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وخاصة منها “التدخلات في شؤونها الداخلية”.

إبراهيم العساف: الهجمات على منشآت النفط يجب التصدي لها بكل قوة وحزم
إبراهيم العساف: الهجمات على منشآت النفط يجب التصدي لها بكل قوة وحزم

وقال العساف في كلمته “ندرك بأن عالمنا الإسلامي يمر بتحديات ومتغيرات بالغة الدقة والخطورة تتطلب منا وقفة جادة لدراسة أبعادها وتداعياتها من كافة الجوانب، واتباع أفضل السبل لمعالجتها ومواجهتها”، مؤكدا في نفس الوقت أن “الهجمات على منشآت النفط في الخليج يجب التصدي لها بكل قوة وحزم”.

ويُحدد هذا التأكيد سقف الرسائل المُنتظر أن تبعث بها قمم مكة من خلال القرارات التي ستتمخض عنها، لجهة الخروج بموقف عربي وإسلامي حازم تجاه إيران باعتبار أن مسار الخطر الذي تُشكله وصل إلى النقطة التي تحتاج فيها إلى قرارات جريئة وحاسمة.

كما يؤشر على أن الرسائل المُرتقبة من هذه القمم، ستتجاوز بمضامينها الحاسمة، قواعد الاشتباك السياسي السابقة، التي تشابكت فيها عناصر التعقيد التي تسببت فيها الحسابات الخاطئة لدولة قطر التي جعلتها تصطف إلى جانب إيران وتركيا، وسهلت لهما اختراق المنطقة العربية وتحويلها إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

ولم يُبدد إعلان قطر مشاركة رئيس وزرائها الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني في القمم الثلاث بعنوان “تغليب المصلحة العليا للمنطقة على الخلافات البينية”، الشكوك والهواجس من الدور القطري الذي يُوصف بـ”المشبوه”، لاسيما في هذه المرحلة التي تبدو فيها المنطقة مُقبلة على مواجهة محتدمة سياسيا ودبلوماسيا وميدانيا.

وتؤكد هذه التطورات أن الأوضاع في المنطقة باتت تتحرك بخطى سريعة للدخول في مربع مفتوح على جملة من الاحتمالات لمواجهة مُتعددة الأبعاد الإقليمية والدولية ستتجاوز حساباتها ومعادلاتها الرفض السياسي والإعلامي للسلوك الإيراني العدائي، لتقترب كثيرا من دائرة التحرك الميداني الذي يجعل المنطقة أمام سيناريوهات خطرة.

ومع ذلك يُسجل لقمم مكة برسائلها المُنتظرة أنها لم تستثن أحدا رغم الكثير من التحديات السياسية التي تعمدت الأطراف المُتضررة وضعها للحيلولة دون الوصول إلى موقف عربي وإسلامي موحد وواضح في التصدي لكل المخاطر التي جعلت المنطقة أمام أوضاع مُتفجرة.

3