الحسين بن عبدالله الثاني ولي عهد الأردن مؤرخ شاب يواجه تحولات التاريخ

أردنٌ شاب ينتظر الملك القادم بنسبة 63 في المئة من إجمالي عدد سكانه، والأمير الحسين يدرك هذا، ويدرك أن طريقه إلى العرش لن تكون مفروشة بالورود في ظل مشاريع دولية وإقليمية عديدة متضاربة.
الأحد 2020/07/26
مستقبل الأسرة الهاشمية الذي يتشابك مع حاضر العرب

عمان – بقي المشروع الهاشمي في الأردن صامدا، رغم كل الرياح العاتية والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال المئة عام الماضية. قد لا يكون ذلك بفعل قوته الداخلية وحسب، بل ربما كان للمنطلق الذي سيولد بسببه بيتٌ للشاعر العربي الراحل محمد مهدي الجواهري صلة بنجاة العرش الهاشمي شرقي نهر الأردن من عواصف التغيير. فالمكانة التي يحتفظ بها العرب لتلك السلالة مكانة خاصة مصونة ترفعت عن اعتبارها مجرد أسرة حاكمة. ومن لا يتذكر ذلك البيت ”يا ابن الذين تنزّلت ببيوتهم، سورُ الكتابِ ورُتّلتْ ترتيلا“، الذي تردد مرتين في التاريخ القريب، بيت نظمه الجواهري من بين ما نظم في مديح الأسرة الهاشمية، الأولى كانت أمام الوصي على عرش العراق الأمير عبدالإله بن علي، ونشرت في مجلة الوطن والبلاد العربية المطبوعة عام 1948، والثانية أمام الملك الراحل حسين بن طلال في عمّان شتاء العام 1992، وما بين الحالتين فارق جوهري ارتبط بمستقبل الفرعين الهاشميين اللذين صبغا دولتين مركزيتين في المشرق، العراق والأردن بعد أن فشل الملك فيصل في سوريا ليغادرها إلى بغداد.

واليوم وبعد زوال الحكم الملكي في العراق، بقي الأردن وحده يحفظ للهاشميين ملكهم ويستند إليهم في وجه التحولات، لاسيما موجات صعود الإسلاميين عبر أحزابهم التي كانت عمّان آخر من حظرها مؤخرا. تمكنت تلك الأسرة بحكمة نادرة من تحويل دولة صغيرة من مجرد ممر في البادية إلى دولة محورية يحسب حسابها، ذات تأثير عربي وإقليمي، وفي الوقت ذاته حجر قبان في لعبة التوازن في المنطقة.

عصر الشباب

الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يبدو كضمانة للدولة والمجتمع، حيال مستقبل الاستقرار في البلد الذي اختار سياسة صعبة خاصة به
الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يبدو كضمانة للدولة والمجتمع، حيال مستقبل الاستقرار في البلد الذي اختار سياسة صعبة خاصة به

الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، البالغ من العمر 26 عاما، ولي عهد الأردن ورفيق والده، يبدو كضمانة للدولة والمجتمع حيال مستقبل الاستقرار في البلد الذي اختار سياسة صعبة، من جانب هو يتمسك بالثوابت العربية، ومن جانب آخر ينخرط في تحالفاته مع العالم ومع الجار الإسرائيلي بمعاهدة سلام لا يزال هشّا في غير منطقة.

يقارنه الأردنيون بجده، بعد مرور 70 عاما تقريبا من تولي الملك حسين السلطة وهو لا يزال في فتوته الأولى، وفي مرحلة معقدة لا تقل تعقيدا عن اللحظة التي نعيشها. مشهد يستعيده هؤلاء وهم ينظرون إلى ولي العهد الشاب قريب الشبه من الجد، خاصة حين عيَّنه والده الملك عبدالله الثاني بن الحسين وليا للعهد في شهر يوليو من العام 2009، وكان في سنه الخامسة عشرة آنذاك.

ولد في عمَّان في العام 1994، وتلقَّى تعليمه الثانوي في الأردن وفي ثانويات كينغز أكاديمي في مأدبا، ودرس التاريخ الدولي في جامعة جورجتاون في واشنطن. ومثل غالبية أفراد الأسرة اتجه الأمير الحسين إلى الجيش، وتخرَّج برتبة ملازم أول في الجيش العربي من الأكاديمية العسكرية الملكية ساندهيرست في بريطانيا.

البدايات المبكرة للأمير الحسين مكّنته من التوجه إلى الأجيال الجديدة في الأردن، جيله من الشباب، لذلك التفت إلى متابعة شؤون الشباب وتعزيز أدوارهم في مختلف المجالات، سواء في سوق العمل أو التعليم، ودشّن العديد من المؤسسات والمبادرات التي تستهدف هذه الشريحة وترفع من مستوى وعيها وظروف حياتها. وحين بعث مؤسسة تحمل اسمه في العام 2015، وجه الأمير الحسين رسالة قال فيها “إن الشباب الأردني هم ثروتنا، فالشباب هم روّاد المستقبل
وفرسانه“.

وكان من بين أهم مبادراته تأسيس جامعة الحُسين التقنية التي تهدفُ إلى تقديم ”نوعية مُبتكرة من التعليم وتعزيز المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل، وتدعمُ التعليم المُعتمد على تخصصات الرياضيات والهندسة والعلوم، وتمنح درجة البكالوريوس والدرجة الجامعية المتوسطة في تلك التخصصات“.

مع الاحتجاجات الشعبية

الأردنيون يقارنون الأمير الحسين بجده، بعد مرور 70 عاما تقريبا من تولي الملك حسين السلطة وهو لا يزال في فتوته الأولى، وفي مرحلة معقدة لا تقل تعقيدا عن اللحظة التي نعيشها
الأردنيون يقارنون الأمير الحسين بجده، بعد مرور 70 عاما تقريبا من تولي الملك حسين السلطة وهو لا يزال في فتوته الأولى، وفي مرحلة معقدة لا تقل تعقيدا عن اللحظة التي نعيشها

كان الأمير الحسين من أوائل المدركين، في المنطقة العربية، لضرورة الحفاظ على الأصالة ضمن شخصية الشباب الأردني، في عصر أزمة الهوية ومرحلة ما بعد العولمة، فأطلق مبادرة “ض” التي تعمل على تقديم نموذج مميَّز يسعى لإبراز هوية الشباب التي يعتز بها، من خلال «المحافظة على اللغة العربية“.

أما ”مصنعُ الأفكار“ فهي مبادرة من نوع مختلف، تركّز على المخترعين والمبتكرين. أراد من خلالها ولي العهد الأردني فتح آفاق الدعم ليس أمام شباب الأردن فقط، بل أيضا على المستوى العالمي.  وهي تمنح براءات الاختراع وتساعد أصحاب التفكير الجديد على تقديم مشاريعهم الخلاقة التي تدعم اقتصادات دولهم، وصولا إلى التدريب في ”ناسا“، هذه بحد ذاتها مبادرة نوعية توفِّر للشباب الأردني من مختلف تخصُّصات الهندسة المشاركة في أبحاث مركز أيمز التابع لوكالة ناسا في برنامج مكثَّف على مدى 10 أسابيع تحت إشراف الخُبراء المُختصين.

كثيرة هي نشاطات الأمير الحسين، والتي اتخذت شكل المشاريع التنفيذية متجاوزة الجانب الترويجي المألوف. وتوسعت لتشمل أصحاب الاحتياجات الخاصة مثل مبادرة ”سمع بلا حدود“ التي تقدم الدعم الطبي وزراعة أجهزة القواقع لفاقدي السمع وتعمل على إعادة تأهيلهم ليتمكنوا من الاندماج مع المجتمع.

ومثل تلك المبادرات مبادرة ”نوى“ التي تركز على المجتمع المدني وتساهم بربط المتطوعين والمُتبرعين بالجمعيات المُختصة والخيرية إلكترونيا. ولا يتوقف الأمير الحسين عن لفت الأنظار، فلا يزال الإعلام حول العالم يتحدث عن دعوته التي وجهها إلى الأمير البريطاني وليام لمشاهدة إحدى مباريات كأس العالم 2018 أثناء جولته في الشرق الأوسط.

وحين اندلعت احتجاجات شعبية وسط العاصمة عمان قبل سنوات، نزل الأمير الحسين إلى موقع الاحتجاجات وطالب قوات الأمن بحماية المحتجين حول مقر الحكومة. وبعد تفشي وباء كورونا في الأردن، ظهر الأمير الحسين وهو يوزع المساعدات، مساندا الطواقم الأمنية والطبيّة، مؤكدا ضرورة التزام مقدمي الخدمات السياحية وغيرهم بلوائح السلامة العامة، للحد من انتشار فايروس كورونا المستجد. وكان الأمير الحسين قد أشار حينها، وخلال ترؤسه في يونيو الماضي اجتماعا عُقد بحضور وزراء السياحة والآثار والمالية والصحة ورئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ورئيس هيئة تنشيط السياحة، لمناقشة الإجراءات المتعلقة بالسياحة الداخلية، إلى أهمية التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لضمان استمرارية انفتاح قطاع السياحة، وتفادي أي ضرر ممكن حدوثه. وشدد ولي العهد على أهمية الإجراءات التي من شأنها التخفيف من الضرر الذي لحق بقطاع السياحة خلال الفترة الماضية.

يولي الأمير البعد الاقتصادي اهتماما بالغا من خلال نافذة الشباب، ففي مايو 2017 ألقى الخطاب الترحيبي خلال جلسة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد على البحر الميت. وكان حضوره بارزا أيضا في المنتدى الاقتصادي العالمي، أمام أكثر من 1100 من السياسيين وقادة الأعمال من أكثر من 50 دولة، وقتها طالب الأمير الحسين بحقوق الشباب العربي في صناعة المستقبل، وأضاف “ما يريده الشباب العربي هو ذاته ما يريده أقرانهم في كل مكان: يريدون فرصا عادلة؛ يريدون فرصة ليكون صوتهم مسموعا؛ وفرصة لإحداث التغيير. وما يميز شبابنا العربي أنهم تواقون ومتعطشون لهذه الفرص لدرجة لم أشهد لها مثيلا. قد يعود ذلك إلى التحديات الصعبة التي نواجهها، والتي تدفعنا للتشبث أكثر بالأمل“.

حرص والده على زجّه في الميدان السياسي مبكرا، وواظب على اصطحابه في زياراته الدولية والمحلية. وفي عامه العشرين، أصبح الأمير الحسين أصغر شخص يرأس جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك. وألقى خطابا جريئا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة متناولا التطرف والإرهاب.

في مواجهة المتطرفين

البدايات المبكرة للأمير الحسين يعود إليها الفضل في توجهه إلى الأجيال الجديدة في الأردن، جيله من الشباب، حين التفت إلى متابعة شؤون الشباب وتعزيز أدوارهم في مجالات عدة، كالتعليم وسوق العمل
البدايات المبكرة للأمير الحسين يعود إليها الفضل في توجهه إلى الأجيال الجديدة في الأردن، جيله من الشباب، حين التفت إلى متابعة شؤون الشباب وتعزيز أدوارهم في مجالات عدة، كالتعليم وسوق العمل

ويبدو الأمير الحسين جادا في مواجهة الفكر المتطرف بأكثر الإجراءات علمية، فقد تبنى بنفسه ما سمّي بـ”إعلان عمّان“ مع مدخلات من أكثر من عشرة آلاف من بناة السلام الشباب في المنتدى العالمي الأول للشباب والسلام والأمن، ما يبرز الحاجة إلى الاستفادة من الدعم المؤسسي للمبادرات والبرامج التي يقودها الشباب.

وبعد تبني القرار كتب الأمير الحسين على صفحته على إنستغرام “أبارك لشابات وشباب العالم الذين ساهموا بصياغة إعلان عمّان حول الشباب والذي نتج عنه اليوم وبجهد أردني أول قرار في تاريخ مجلس الأمن حول الشباب والسلام والأمن. يهدف هذا القرار التاريخي إلى تأسيس مرحلة جديدة يتم فيها إدماج الشباب كشريك أساسي في صنع السلام المستدام ومكافحة التطرّف ورفع نسبة تمثيلهم في عملية صنع القرار“.

يوصف الأردن بأنه دولة فتية، فنسبة الشباب فيه تصل إلى 63 في المئة من إجمالي عدد سكانه، كل هؤلاء تحت سن الثلاثين. أردنٌ شاب ينتظر الملك القادم إذا. وهو يدرك هذا، ويدرك أن طريقه إلى العرش لن تكون مفروشة بالورود في ظل مشاريع دولية وإقليمية عديدة متضاربة تتحرّك من تحته وتحت أرض المنطقة العربية بأسرها.

8