الحشد الشعبي حب من طرف واحد

السبت 2016/10/22

قالت لي صديقة كانت تعاني من عاطفة الحب من طرف واحد بأنها حضرت جلسة نصحها بها بعض الأصدقاء للتخلص من وهم الحب الذي توقفت بسببه حياتها. تقول دخلت الباب المؤدي إلى الجلسة وأنا أعتقد بأنني كائن مخلص ومتفان وعظيم بسبب عاطفتي الاستثنائية.

جلست مع الآخرين الذين حضروا الجلسة لنفس الغاية، وبدأ كل شخص في الغرفة يتحدث عن تجربته العاطفية. تقول كان الجميع يتحدث بنفس الطريقة ونفس الاندفاع، بل حتى بتفاصيل جعلت الأمر يبدو وكأنهم يتحدثون عن شخص واحد.

تقول المصيبة ليست هنا، المصيبة هي أن هذا الآخر غير موجود أصلا، وهو مجموعة من الأوهام والمبررات والأعذار، خلقت نموذجا أسقطه كل متحدث على شخص يعرفه. تقول لم أحتمل الجلسة وخرجت بسرعة لأنني لم أتخيل نفسي ضمن دائرة من الجنون أو المرض أو أي شيء يجعلني أعتقد بأن ما أعيشه وأؤمن به شيء مقدس وعظيم. والأهم وجدت نفسي متلهفة لعاطفة جديدة حقيقية، لا لوهم خلقه خيالي وصدقه.

حديث العراقيين الشيعة عن الميليشيات التابعة لإيران، أو الحشد الشعبي معاناة حب من طرف واحد. وهم يرفضون الاعتراف به، ويفسرون نتائجه وأسبابه بخيال عاشق لا واقع مبين. عاطفة مفلسة تحتاج الإقرار بخصوصيتها لهم، ولا علاقة للطرف الآخر بها، الحب عاطفة إنسانية جميلة، لكنها بحاجة إلى العقل عند التعامل معها. حب العراقي الشيعي لابن طائفته الذي يدافع عنه ويحميه من إرهاب تنظيم داعش عاطفة جميلة، لكنها تخصه وحده. ومحاولات إقناع السنة بتبنيها، فشل سياسي من الأفضل الابتعاد عنه.

في الحقيقة لا يوجد شيء اسمه الحشد الشعبي، بل كذبة صدقها الشيعة للتخلص من خوف كبر وتورم ليجعلهم أداة للمشروع الإيراني. يقول رجل إيران نوري المالكي في تصريح له، بأنه مؤسس الحشد الشعبي، وهو (الحشد الشعبي) من بنات أفكاره قبل سيطرة عصابات داعش على المدن العراقية. ورغم أن الكثير من العراقيين ينعتون المالكي بالكذاب، إلا أنه حقا مؤسس الحشد الشعبي، الحشد الذي بدأ مقدسا بذريعة “الجهاد الكفائي” وسينتهي طائفيا باسم “الحرس الثوري العراقي”.

بعد أحداث البرجين، ومن خلال رجال الشيعة في الولايات المتحدة مثل أحمد الجلبي، تم الاتفاق بين المحافظين الجدد في البيت الأبيض وبين مراجع حوزة النجف بزعامة السيستاني على مرحلة ما بعد صدام حسين. أرادت حوزة النجف من الاتفاق تأسيس دولة شيعية بديلة عن الدولة العراقية، يقودها السيستاني ويدير شؤونها أبناء المرجعية والسياسيون من أتباعها.

وباستغلال الخلاف بين الأكراد والعرب السنة، سعت الحوزة مع أميركا إلى كتابة دستور محاصصة يضمن لها السلطة بموجب الأغلبية الطائفية. وبالفعل قادت العملية السياسية، وأشرفت على انتخابات انتهت بتسليم السلطـة لأبنـائها وسيـاسييها. في الدولة الشيعية أو “دولة علي” كما أطلقوا عليها، تم تقسيم المجتمع العراقي إلى أربع طبقات.

الأولى طبقة السادة المقدسين، وتشمل المرجعية وأبناءها مثل عمار الحكيم ومقتدى الصدر وإبراهيم بحر العلوم وغيرهم. تمثل هذه الطبقة رأس السلطة والمشرف على إدارتها بسبب قداسة وحكمة أصحابها.

الطبقة الثانية طبقة الشيعة الموالين، وهؤلاء أنيطت بهم حماية السلطة والدفاع عنها ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية بسبب ولائهم الأعمى لفئات الطبقة الأولى.

الطبقة الثالثة تشمل السنة، ولهم تُركت خدمة السلطة ضمن المؤسسات الاجتماعية.

وتأتي أخيرا طبقة الأقليات المهمشة.

مضت السنون والسلطة في العراق شيعية، رأسها مرجع، إيراني الجنسية، يمثل طائفة هي الأقلية إذا أخذنا الأكراد بنظر الاعتبار. ولكن بعد دخول 600 داعشي إلى الموصل واحتلالها، تبددت الأوهام، ورأى المرجع الذي يتحكم بالدولة كما يتحكم بخاتم إصبعه الخطر على منجزاته. تبين أن دولته من قمة رأسها حتى أخمص قدميها منخورة بسرطان الفساد والسرقات ومهددة بالانهيار أمام أعدائها، فكان لا بد من سلاح الفتوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

في تلك الأثناء دخلت إيران على الخط لتساعد الشيعة على إنقاذ دولتهم، لكنها، في الحقيقة، وجدت في الأزمة فرصة لإزاحة كل من يقف عقبة في طريق مشروعها وأولهم السيد السيستاني. دخل السيستاني ونوري المالكي في أزمة تم حلها باختيار حيدر العبادي لرئاسة الوزراء. لكن الحل لم يكف لإزاحة المـالكي من السلطة والقيام بإصلاحات جـذرية تعيـد للـدولة عافيتها. قـرر السيستـاني الانسحـاب من الدولة بحجة الزاهد، وتركها لإيران وميليشياتها مقابل التستر على فساد وسرقات أبناء المرجعية وأتباعها.

تحول “الجهاد الكفائي” إلى حشد شعبي يقوده المستشار قاسم سليماني بسبب الضغط العربي والدولي، والقضاء على داعش والإرهاب ذريعة لاجتياح المدن السنية وتهيئتها لصالح المشروع الإيراني. اليوم والعراق في طريقه لتحرير الموصل بإشراف دولي، لم يبق للشيعة في دولتهم غير شبابهم. إما الاستمرار بنحرهم تحت أقدام قاسم سليماني وميليشياته لأجل الهلال الشيعي، وإما تنتهي فتوى الجهاد المقدس بالاكتفاء بجيش عراقي وطني يقف الجميع لذكره خاشعين.

كاتبة عراقية

8