الحشد العسكري الروسي في المنطقة.. استعراض أسلحة

كشفت مسارات التدخل الروسي في سوريا عن عناوين جديدة لا تتعلق فقط برغبة روسيا في الحصول على مناطق نفوذ لها في المنطقة، أو بمحاولة انتزاع حضور لها في الخارطة الدولية التي يعاد رسمها وفق المعطيات الميدانية، بل يتعلّق الأمر أيضا بخطط موسكو لاستعمال الميدان السوري ساحة لتجريب السلاح الروسي بهدف إغراء الدول لشرائه، ما يشكل مدخلا لحل مشاكل الاقتصاد الروسي.
الخميس 2016/01/14
رئيس دولة وتاجر سلاح

يشكل السلاح الروسي الرافعة التي يعول عليها الرئيس فلاديمير بوتين لإنقاذ اقتصاد روسيا وصناعة سياسة الكرملين، لكن هل يمتلك السلاح الروسي مواصفات وإمكانيات تتيح تحقيق هذه الأهداف؟

الباحث اللبناني الروسي خالد إزي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجنان، يجيب “العرب” على هذا التساؤل، مشيرا إلى أن السلاح الروسي تعرّض لضربة كبيرة وقوية، ولانهيار سمعته في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث كان السلاح الذي يستخدمه الجيش العراقي سلاحا روسيا بالكامل.
وبعد ذلك تعرض لضربة كبيرة أخرى في سوريا بعد الهزائم التي لحقت بجيش النظام السوري الذي يعتمد كذلك على السلاح الروسي. ومن هنا تعمد روسيا حاليا إلى استعراض سلاحها وتجربته ومحاولة ترميم سمعته عبر الميدان السوري.

ومن أبرز الأسلحة الروسية التي تم رصد استعمالها في الحرب الدائرة في سوريا:

* سلاح الطائرات سوخوي 24 والميغ 31 و33: لا تمتلك روسيا طائرات دون طيار بل تستوردها من إسرائيل، بحسب اتفاق بين الدولتين تم بعد حرب جورجيا عام 2008؛ أما الطائرات الحوامات التي تستخدمها روسيا في حربها في سوريا فهي حوامات أم مي 24 أم مي 25، وهي تابعة لقوات البحرية التي تستخدمها من خلال البحرية المرابطة في الساحل السوري.

* الطائرات الاستراتيجية: معدة للمسافات البعيدة وهي تنطلق من مطارات مزدوق في الجنوب في إنغوشيا ومورمنسك في الشمال الغربي على بحر الشمال وتسمى قاذفات تو 93 وقاذفات تو 160. وتعتمد روسيا في سوريا على قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة جبلة التي تم استحداثها في سبتمبر الماضي.

العقل التقني المسؤول عن إنتاج السلاح الروسي يعاني من ظاهرة غياب مصممين شباب للسلاح الروسي فالجيل الحالي ينتمي إلى زمن الاتحاد السوفييتي

* الصواريخ: تستخدم موسكو صواريخ كاليبر الحديثة التي تشبه الصواريخ الأميركية توماهوك. وتُقصف من بحر قزوين ونهر الدون الهادئ في جنوب روسيا ومداها 1500 كيلومتر؛ فيما تستخدم البوارج البحرية صواريخ أرض جو، وهي ترابط لحماية مطار حميمية العسكرية الذي تنطلق منه الهجمات الجوية وأحيانا تستخدم صواريخ كاليبر البوارج مسلحة بصواريخ أس 400 التي تهدف إلى منع أي صواريخ من إصابة طائراتها.

*الدبابات: تستخدم روسيا في الصراع السوري دبابات حديثة من نوع تي 90 الحديثة، وهي أسلحة أنتجت مؤخرا، ولا يزال الجيش الروسي غير مجهز بها بشكل كامل.

أجيال السلاح الروسي

يعاني العقل التقني المسؤول عن إنتاج السلاح الروسي من ظاهرة غياب مصمّمين شباب للسلاح الروسي، فالجيل الروسي العسكري الحالي ينتمي إلى زمن الاتحاد السوفييتي، وأعمار المصمّمين الذين يعملون في صنع السلاح الروسي الحالي تتراوح بين 58 عام و عاما و65 عاما.

ويلفت خالد إزي النظر إلى أن نسبة المهندسين الشباب بالنسبة إلى العدد الإجمالي للعاملين في مجال تصميم السلاح قليلة جدا في روسيا. وهناك معلومات تشير إلى أن المهندسين الروس الذين يتخرجون سنويا كان يرسل منهم مليون إلى الغرب ويعود منهم فقط الثلث.

ويشير كذلك إلى مسألة بالغة الأهمية تفسر استخدام روسيا سلاحها وخصوصا سلاح الطيران، ضد المعارضة السورية وليس ضد تنظيم داعش، قائلا إن الروس يعلمون أن التنظيم المتطرف يمتلك أسلحة فعالة مضادة للطيران استولى عليها من العراق وليبيا. وبالتالي، فإن الحرب الجوية ضد داعش من شأنها إظهار ضعف منظومة سلاح الطيران الروسي، وكشف عيوبه حين يواجه منظومة دفاعية قوية، لذا يحرص الروس على استعراض قدرات سلاح الطيران ضد المعارضة السورية التي يمنع عنها حتى هذه اللحظة امتلاك سلاح مضاد للطيران.

وقد كشف حادث إسقاط الطائرة الروسية من طراز سوخوي 24 عبر مقاتلة تركية من طراز أف 16 عيوبا خطيرة في الطائرات الروسية، حيث ظهر أن تجهيزاتها ضعيفة ولا تحتوي على أنظمة العمل الليلي، كما هو حال المقاتلات الأميركية من طراز أف 20 وأف 22.

وتستخدم الاستـــراتيجية القتــــالـية الروسية، وفق إزي، سياسة الأرض المحروقة والتدمير الممنهج، كما حصل في برلين عام 1945. ويعود السبب في الإبقاء على هذه الاستراتيجية إلى الافتقاد إلى الأسلحة التي يمكنها تحديد أهداف وإصابتها بشكل دقيق دون حاجة إلى تدمير وإحراق مناطق بكاملها.

إدارة صفقات السلاح الروسي

يعرض أستاذ العلوم السياسية لواقع صفقات السلاح الروسي وكيفية إدارتها، كاشفا أن الاتفاق الروسي الإيراني على صفقة أس 300 لم ينجز، حيث لم تلتزم روسيا بالتسليم على الرغم من استلام مبالغ كبيرة من إيران منذ العام 2007، ما دفع طهران إلى مطالبتها بالتعويض المالي.

وتحتل روسيا المرتبة الثانية في العالم كأكبر مصدّر للسلاح، ورغم أن بيع السلاح يشكل عاملا أساسيا لاستقرار الأسواق الاقتصادية إلا أن الصفقات الموقّعة لا تستطيع إنقاذ الاقتصاد الروسي. ولا يمكن الحديث عن تجارة سلاح غير رسمية في روسيا، لأن الدولة هي المسؤولة عن صناعة السلاح وبيعه، الذي هو أمر محصور بشركة “روس أوبورون أكسبورت”، ويوقع على الصفقات الرئيس الروسي شخصيا.

روسيا تستعرض سلاحها في توظيف اقتصادي وسياسي

حال السلاح الروسي يمكنه في نهاية المطاف تقديم صورة واضحة لحدود التوظيف السياسي وطبيعة الاقتصاد الروسي أكثر من أي شيء آخر. وهو سلاح لا يمكن أن ينتج اقتصادا قويا يمكن أن يؤسس لحضور سياسي دولي قوي. وهكذا نفهم حدود استخدام السلاح الروسي وإمكانيات تسويقه عبر الميدان السوري. والمفارقة تكمن في أن صفقات السلاح الروسية الممكنة لا تخضع لإغواء فعالية السلاح، بقدر ما تفترض تغييرا في مواقف روسيا التي تعتقد أنه يمكنها بيعه بأثمان غالية، تأسيسا على ما ترى أن سلاحها قادر على تحقيقه ميدانيا.

لكن الوقائع تقول غير ذلك، فواقع استخدام السلاح الروسي في سوريا لازال خاضعا لعمليات ضبط شديدة الإحكام وسياسية الطابع. ومعادلات الضبط هذه لا يبدو أنها قادرة على الصمود لوقت كبير، فكما تم الإفراج منذ فترة عن السلاح المضاد للدبابات وكانت النتيجة وقوع مجازر كبرى في الآليات والدبابات الروسية، فكذلك يتوقع مؤخرا السماح للمعارضة السورية بالحصول على أسلحة مضادة للطيران. وعندها لن يكون للسلاح الروسي أي إمكانية لخلق واقع ميداني، ولا لفرض أي أجندة سياسية، ولا للتوظيف في حل مشاكل الاقتصاد الروسي.

السلاح ليس في نهاية المطاف سوى انعكاس لقدرات البلاد التي تنتجه على كل المستويات، وخصوصا على مستوى العقل التقني والبنية الثقافية العامة. ونظرة سريعة إلى الواقع التقني والبنية الثقافية العامة التي فرضها بوتين على روسيا والمستقاة من تركيبته الأمنية المخابراتية، تقول إن السلاح الروسي لم يعد قادرا على الدخول في لحظة العالم الحديث كما هو حال السياسة الروسية التي تدعم الأنظمة المتهالكة التي لم تعد آيلة للعيش.

6