الحشد والسلطة النظام البيئي للمجموع

السبت 2016/09/17

في العام 1990 حصلت بالصدفة على طبعة متهرئة وقديمة من كتاب “الحشد والسلطة” الذي صدر بطبعته الألمانية في العام 1960، للكاتب الألماني من أصل بلغاري إلياس كانيتي، بناء على توصية من صديقة كانت قرأته بالإنكليزية آنذاك، وعلى الرغم من صعوبة الموضوع الذي يتصدى له إلّا أن لغته البسيطة وأسلوبه الشيق قد حوّلاه إلى ما يشبه السرد وسلسلة من الانطباعات الذاتية وهو يخوض غمار تجربته الشخصية مع سلوكيات وتأثيرات الحشود على الأفراد، والتعامل مع ديناميات التفاعلات النفسية وأسباب خضوع الحشود لسلطة الحكّام.

وعلى الرغم من أن الكاتب يتصدى فيه للتحليلات النفسية العميقة، إلّا أن القارئ لا يشعر بأنه كتاب علمي أو أكاديمي بطريقة تقليدية، بل يُقرأ كدليل مكتوب بواسطة شخص من خارج الجنس البشري يشرح بطريقة غريبة ولغة استعارية موجزة للغاية كيف تتشكّل مجاميع الغوغاء وكيف يتم توظيفها لأغراض السلطة، ليس في إيران، التي اتخذها الكاتب نموذجا شرقيا عندما زارها عشية الطقوس الشيعية التي تقام هناك وحسب، بل حتّى في أوروبا الشرقية والاضطرابات التي شهدتها ومحاولة فهم تأثيرات الأيديولوجيا على سلوكيات الحشود ضد السلطات.

وبسبب التطور أصبح العالم ميّالا لإظهار الأهمية المطلقة للأفراد بعيدا عن الحشود وفق نظام غريب أطلق عليه كيركيغارد مصطلح “النظام البيئي للحشود” ويقصد به مجموعة أنظمة الدول والمعتقدات والأيديولوجيات السياسية والحركات الفنية والقواعد الاجتماعية كفطرة وليست كأسس وضعية. لكن كانيتي لا ينكر دور الفرد كخلية متفردة تسعى إلى تحقيق حريّتها الذاتية بمعزل عن تأثيرات الحشود، لا سيما في بيئة المدن الصناعية الكبرى مثل نيويورك التي وصفها بالمزدحمة جدا والمتوترة جدا والقذرة جدا، لكنها مبهجة جدّا أيضا. إن النظام الاقتصادي الجديد، من وجهة نظر كانيتي، يمثل في مجمل قواعده وسلوكياته وأعرافه وحتّى تقاليده، حشدا ضاغطا من نوع ما على خصوصية الأفراد، وبالتالي فإن توجهات ذلك الحشد، سواء كانت عفوية أو مقصودة وموجهة، تؤثر بطريقة غير مباشرة أو لا واعية على الأفراد، وليس هناك ما يخشاه المرء أكثر من التواصل الجسدي مع الغرباء، فهو يميل دائما إلى تجنب الاتصال الجسدي مع أي شيء غريب..

وهذا الخوف هو الذي يدفع الناس إلى الاحتفاظ بمسافة مناسبة، أو حيّز وهمي عازل حولهم. إن هاجس الخوف أو الاشمئزاز من الملامسة يبقى دافعا نفسيا قوّيا من شأنه أن يحدّد طريقة التحرّك في الشوارع المزدحمة أو المطاعم أو القطارات أو الحافلات، حتّى عندما نقف جانبا ونتأمل الحشود، ويفسر كانيتي هذه النزعة برد الفعل اللاإرادي أو تقديم الاعتذار المباشر في حال حدوث تماس ما أو تصادم غير مقصود في الشارع، لكن المفارقة الكبرى، بحسب كانيتي دائما، هي أن هذا الخوف والنفور من الملامسة والاحتكاك المباشر سرعان ما تتبدّد في حال الانغمار وسط حشد من الناس والتحرر من عقدة الخوف الفردية عن طريق سدّ النقص بقدرة الحشود التي يتحرر الأفراد وسطها من عقدة التواصل، وهو الأمر الذي يغيّر الخوف إلى نقيضه، والحشد المقصود هنا هو الحشد الكثيف الذي تُضغط فيه الأجسام ببعضها لدرجة لا يعلم معها الأفراد أيّ جهة هي الضاغطة مقابل الاستسلام التام لقوانين وتحركات وتأثيرات ذلك الحشد.

ولد إلياس كانيتي في بلغاريا في 25 يوليو 1905 وتوفي في 14 أغسطس 1994. وهاجر مع عائلته في سن السادسة ليعيشوا في أماكن مختلفة في جميع أنحاء أوروبا الغربية، قبل أن يستقر في فيينا في سن التاسعة عشرة، حيث انغمس في عالم الأدب وبدأ الكتابة باللغة الألمانية. وفي العام 1981 حصل على جائزة نوبل في الأدب “بسبب كتاباته التي تميزت برؤية مستقبلية واسعة، وكمّ ثرّ من الأفكار والقدرة الفنية”، بحسب توصيف لجنة الجائزة آنذاك، لكن يبقى كتابه “الحشد والسلطة” من أكثر الكتب أهمية في مجال دراسة السلوكيات العامّة وعلم المجتمعات وتحقيقا ثاقبا بشأن نظرية الحشود ولماذا ينزع البشر للانضمام إليها، وكيف تشكّل معنى السلطة؟

كاتب من العراق

15