الحشو اللغوي مشكلة مهنية تغرق الصحافة العربية المرهقة

ثقافة الحشو في الصحافة العربية لا تنفصل عن أزمة القطاع ككل بسبب فوضى القطاع وانعدام التنظيم فيه بإتاحة المجال لكل من هب ودب.
الثلاثاء 2020/09/29
الصحافة العربية في مواجهة أزمات متلاحقة

لا تنفصل ثقافة الحشو في الصحافة العربية عن أزمة القطاع الذي يعاني أزمات مالية متتالية جعلت بعض الصحف والمجلات مضطرة لتقليص نفقاتها والاعتماد على فريق عمل متواضع لملء صفحاتها بمضمون مكرر لا جديد فيه ولا يرقى إلى ذائقة القارئ.

تونس- انتشرت ثقافة الحشو في العديد من الصحف والمطبوعات العربية، وترسخت في أوساط الكتاب والإعلاميين وغض النظر عنها رؤساء التحرير والمحررون بهدف ملء الصفحات، ليتلقى القارئ مواضيع ومقالات مكررة لا تغري بالمتابعة والقراءة إلى ما بعد الفقرات الأولى.

وصار أمرا معتادا القول إن الجرائد والمجلات العربية تقوم أساسا على الحشو، بتكرار المعروف والمعلوم، وإقحام الشروحات غير الضرورية والاسترسال في الكلام الذي لا طائل منه، دون تقديم أي جديد، فهيمن الكم على الجودة وتسبب بتردي وتدني قيمة المحتوى الصحافي، وأنتج ما يعرف بالقراءة المائلة للتعامل مع الكتابات والمقالات التي تعج بالحشو الذي لا فائدة من ورائه.

ويعلق صباح ناهي أستاذ الصحافة في كلية الإعلام بجامعة بغداد على هذه الظاهرة بالقول “حين سئل الشاعر العراقي الراحل عبدالوهاب البياتي: متى تكتب شعرا؟ قال دون تردد: أكتب حين يكون الشعر بديلا للانتحار”.

صباح ناهي: من دون رسالة معرفية لا قيمة للنص الذي يقدمه الكاتب والمحرر
صباح ناهي: من دون رسالة معرفية لا قيمة للنص الذي يقدمه الكاتب والمحرر 

ويضيف ناهي في تصريحات لـ”العرب”، “يثير رأيه (البياتي) تساؤلات كثيرة حول معنى الكتابة بين أن تكون تعبيرا عن معاناة قصوى وبين العادة اليومية التي تجعل بعض الكتاب يمارسون حرفتها كتقليد يومي وعادة كأي عادة اجتماعية تتصل بطقس يومي هو أقرب للإسهال الفكري لدى كتاب اعتادوا أن يلعنوا حياتهم كل يوم أو ينشروا رماد فجائهم دون معرفة تراعي القارئ المتلقي الغائب عن وعيهم كونه المتأثر النهائي المستهدف في معرفة رسالة الكاتب ومشاركته همومه وعوالمه”.

وتابع “الأزمة في تلقي الكتابة هي في جدواها وفي حدود ونوع المعرفة الكامنة وراء الكلمات التي تبدو لدى الكثيرين شاحبة تقع في عالم اللامعنى، فيضيع القارئ المتلقي بعدم الإحساس بوهج الكلمات وجدواها، من دون رسالة معرفية لا قيمة للنص الذي يقحمه الكاتب والمحرر في أذهان الآخرين وكأنه يلقي بمسامير في رأس الآخر المفجوع بنص خاو من الرؤية والقصد، فمن لم يعني فليصمت أفضل”.

ولا تنفصل ثقافة الحشو في الصحافة العربية عن أزمة القطاع ككل، حتى أن متخصصين يربطون أزمة اللغة العربية بفوضى قطاع الصحافة والإعلام وانعدام التنظيم فيه، بإتاحة المجال لكل من هب ودب ليصير صحافيا أو كاتب رأي أو عمود، فتمتلئ الصحف بالأخطاء اللغوية والإملائية والتعبيرية، إضافة إلى الركاكة واستعمال اللغة العامية والألفاظ الدخيلة، التي أثرت على ذائقة الجيل الجديد اللغوية خصوصا إذا ما أخذ في الاعتبار أن الكثير من المتلقين العرب وغالبيتهم من الشباب يكتفون بقراءة الصحف أو الاطلاع على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بديلا عن قراءة الكتب.

كما أن بعض الكتاب الصحافيين لديهم سنوات من الممارسة المهنية لكنهم بلا ذائقة صحافية تلامس إحساس القارئ بسبب عدم التجديد في الأسلوب والتحديث في الكتابة والتطوير في مهنة معقدة وبلا معايير واضحة. يقول الكاتب الأميركي هنري ميلر في كتاب الإيجاز الصحافي “إن اللغة إذا تحولت إلى عبء يجب أن تموت”، ومشكلة الكثير من الكتابات في الصحافة العربية أن ثقل الكلمة وعبئها يظهر جليا للقارئ، ومن الضروري التفريق بين اللغة كوعاء جمالي يضفي رونقا على القصة الصحافية، وبين اللغة كعبء على المهنة، حين يطغى الحشو والتكرار على حساب المحتوى وتضيع الأفكار بين جمل النص. فالحشو عيب مهني يضعف المعنى ويميت الصحافة.

ومن أهم أسباب هذا العيب لدى الكتاب حديثي التجربة غياب ثقافة النقد والتقويم والتفكير في سرعة الإنجاز بغض النظر عن المحتوى بالإضافة إلى النزعة التجارية وضحالة الثروة اللغوية وضعف الخبرة.

آمال موسى: تواضع الإمكانيات يجعل الصحف تتقشف في حجم فريق النشر
آمال موسى: تواضع الإمكانيات يجعل الصحف تتقشف في حجم فريق النشر

لكن الأمر لا يقتصر مطلقا على الكتاب الجدد، إذ تشمل الظاهرة الكتاب المخضرمين والأكاديميين، يقومون بتكرار الأفكار ذاتها بعبارات مختلفة، والإغراق في الأوصاف، واستخدام الصور والتعبيرات الأدبية.

وترى الشاعرة التونسية آمال موسى أن “الحشو في بعض الصحف العربية هو دليل على مشكلة في المهنية الصحافية تشترك بها عدة أطراف”.

وتوضح موسى في تصريح لـ”العرب” “أن هناك عدة أسباب لهذه المشكلة تتعلق بالكاتب والصحيفة على حد السواء، فعندما لا يمتلك الكاتب موضوعه بشكل جيد وواضح يتسبب بانحرافه إلى نقاط وموضوعات لا علاقة لها بالموضوع الرئيسي، وفي نفس الوقت العمل الصحافي لا يتعلق بكاتب المقال وحده بل بفريق عمل متكامل يتابع عملية النشر واختيار المقالات ومتابعتها وغربلتها إلى نسخة نهائية”.

وتؤكد موسى أن الحشو الصحافي على علاقة وثيقة بأزمة الصحافة الاقتصادية، وتقول “ما نلاحظه أن الإرهاق المادي الذي تعاني منه الصحف وتواضع الإمكانيات الاقتصادية يجعلها تتقشف في حجم الفريق الصحافي الكافي لمتابعة عملية النشر مما يؤثر سلبا في المتابعة ومراجعة المقالات واختيار الصالح وفق الشروط الملائمة للنشر فقط”.

ويقول خبراء إعلام إن وجود دماء جديدة في الصحافة يمكن أن يساهم بالحد من هذه الظاهرة، ويمكن أن تستفيد المطبوعات الورقية من تجربة المدونات وشبكات التواصل الاجتماعي التي تبحث دوما عما هو جديد، وتعتبر خبر الأمس قديما، فالصحافة يجب أن تكون مدرسة متغيرة على الدوام. فالتطوير والحداثة يجعلان السلطة الرابعة سلطة متجددة، والكاتب المتمكن يستخدم من الكلمات ما يكفي لنقل المعلومة، ويطبق القاعدة الذهبية “لا تقل في كلمتين ما تستطيع أن تقوله في كلمة”.

18