الحصاد الثقافي المغربي: العروي يخرج عن صمته

السبت 2013/12/28
العروي ناقش مذكرة التدريس بالدارجة المغربية في المدارس

الرباط- كانت سنة 2013 بالمغرب مثيرة للاهتمام، فقد سار البلد ثقافيا على إيقاعاته السابقة، مما يعني أنه لم يبطئ ولم يسرع. وهذا الإيقاع المعتدل كان مثار تأفف من المثقفين والكتاب الذين ينتظرون إيقاعا أسرع في الإنتاج الثقافي والفني. سنهتمّ في هذا الجرد للمنجز الثقافي بالمملكة المغربية بتقديم أهمّ ما شهده الحقل الإبداعي في حقول النقد والترجمة والرواية والجوائز والغيابات المأسوف عليها.


العربية جسر إلى العالم


في مجال النقد الأدبي صدر للكاتب والباحث عبد الفتاح كيليطو كتاب هام عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء، وعنوانه “أتكلم جميع اللغات لكن باللغة العربية“، وقد صدر باللغة الفرنسية عن منشورات “أكت سود” بباريس، قبل أن يترجمه إلى اللغة العربية، الباحث والمترجم عبد السلام بنعبد العالي. ومغزى الكتاب أن كل متكلم يتحدث جميع اللغات الأجنبية لكن انطلاقا من لغته. ويهدف كيليطو بهذا الكتاب إلى ضرورة إتقان اللغة الأصل قبل الانتقال إلى تعلم اللغات الأخرى.

كما صدر كتاب “السرد والسرديات في تجربة النقد سعيد يقطين”، الذي أشرف عليه الباحث شرف الدين ماجدولين، وقد شارك فيه نقاد من المغرب وخارج المغرب. والكتاب عبارة عن ندوة علمية نظمتها مديرية الثقافة بمدينة شفشاون شمال المغرب.

وقد كان الكتاب مدخلا نقديا لتجربة سعيد يقطين منذ كتابه “القراءة والجربة” إلى آخر أعماله في السرديات. وصدر للباحث عبد الرحيم جيران كتاب نقدي عنوانه “سراب النظرية” عن “دار الكتاب الجديد”. ويمكن اعتبار هذا الكتاب استئنافا للاجتهاد النظري الذي بدأه “جيران”، المتمثل في محاولة فهم النظرية النقدية الغربية ومساءلتها ونقدها، بهذا الخصوص يكتب مؤلف الكتاب: “يتمحور موضوع هذا الكتاب حول المُقاربة النصّيّة في توجّهاتها المختلفة، التي ترسّخ حضورها في المشهد النقدي الغربي، بما يقتضيه ذلك من تناول للمقتضيات النظرية التي تحكّمت في صياغة أجهزتها الإجرائية ومفاهيمها الرئيسة”.
كيليطو أراد أن يجعل من لغته الأم منطلقا للغات الأجنبية الأخرى

وصدر لجيران أيضا كتاب نقدي عن الدار نفسها موسوم بـ “علبة السرد”، وهو بحث في السرديات اعتمادا على النظريات السردية الحديثة. ويعد جيران من الباحثين العرب الجادين في هذا المجال.

وعن منشورات دار توبقال بالتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية صدر كتاب جماعي عن عبد الفتاح كيليطو بعنوان “عبد الفتاح كيليطو، متاهات القول”، وهو عبارة عن ندوة علمية نظمتها الكلية بمشاركة ثلة من الباحثين والنقاد المغاربة والأجانب.

وقد تناول الكتاب مختلف أوجه كيليطو في مجال البحث الأدبي والمنهجي من خلال مجمل أبحاثه وكتبه. وقد خلصت أبحاث الكتاب إلى أن فرادة أعمال كيليطو تكمن في تجاوزه للحدود الأجناسية المتداولة وتأسيسه لجنس أدبي فريد، وقد قال كيليطو نفسه مرة وكأنه يؤكد ذلك “إن إحدى مهام الكاتب هي أن يتبنى نبرة ويحتفظ بها ويجعل القارئ يتقبلها”.


الكلام السامي


في مجال الترجمة سواء الأدبية أو النقدية عرفت السنة ترجمة محمود عبد الغني لرواية “مزرعة الحيوان” للروائي جورج أورويل، وقد صدرت عن المركز الثقافي العربي. وهي أمثولة وظف فيها “أورويل” أصوات حيوانات تتصارع مثل الإنسان داخل مزرعة السيد “جونز″، قبل أن تثور عليه وتمتلك المزرعة لكن سرعان ما تمارس القمع والتفرقة الفئوية بينها، ويتحول الثائر إلى ديكتاتور.

إنها رواية تؤكد أن سلوك الحيوان يشبه سلوك الإنسان. كما ترجم الناقد السينمائي عبد اللطيف البازي رواية “أزهار عباد الشمس العمياء”، لـ”ألبرتو مينديس"، وصدرت عن سلسلة إبداعات عالمية، والمجلس الوطني للثقافة والفنون بالكويت. والرواية تتحدث عن مرحلة قائمة من تاريخ أسبانيا تتمثل في الحرب الأهلية ومرحلة الاستبداد الفرانكوي.وترجم الباحث محمد الولي كتاب “الكلام السامي” لجان كوهن.

وقد سبق لمحمد الولي أن ترجم، رفقة محمد العمري، كتابا آخر لجان كوهن عنوانه “ بنية اللغة الشعرية”، الصادر عن دار توبقال بداية التسعينات. وترجمة محمد الولي لـ”الكلام السامي” هي الثانية بعد الترجمة المصرية التي أنجزها محمد درويش، وقد كتب محمد الولي مقدمة لترجمته جاءت في 60 صفحة صحح فيها العديد من الأخطاء والهنات الترجمية التي وقع فيها المترجم المصري.


ملائكة السراب


في مجال الرواية صدرت لعبد الرحيم جيران رواية “كرة الثلج”عن دار الآداب ببيروت. وهي رواية تحكي عن السنوات الصعبة في مغرب السبعينات واستمرت حتى الثمانينات، والتي عرفت بـ “سنوات الرصاص”.

وصدر لمحمود عبد الغني رواية “الهدية الأخيرة” عن المركز الثقافي العربي ببيروت، وفازت بجائزة المغرب للكتاب. وهي رواية تحكي عن مصائر شخصيات يجمعها فن التصوير الفوتوغرافي.

وقد اعتبرها النقاد تناولا روائيا ونظريا لفن التصوير الفوتوغرافي. أما الروائي بنسالم حميش فقد أصدر عن دار الشروق المصرية رواية “امرأة أعمال”. وأصدر الباحث الجمالي موليم العروسي رواية “ملائكة السراب”، والميلودي شغموم رواية “سرقسطة”. وقد اهتمت الصحافة المغربية اهتماما لافتا بهذه الأعمال الروائية التي أعطت نفسا جديدا للرواية المغربية. لم تخل سنة 2013 من جوائز واحتفالات أدبية ببعض الأعمال الأدبية الفائزة خلال السنة.

جائزة ابن بطوطة لثلاثة مغاربة

فقد فاز الشاعر محمد بنيس بجائزة “ماكس جاكوب” وهي جائزة رفيعة سيتسلمها الشاعر في شهر مارس المقبل. واحتفلت السفارة الفرنسية بالتعاون مع المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالإعلان عن جائزة الأطلس للكتاب، وكانت من نصيب الباحثة “كنزة الصفريوي” عن كتابها الذي أنجزته عن مجلة “أنفاس المغربية” التي كان يصدرها عبد اللطيف اللعبي، كما فاز، في صنف الترجمة، كتاب “الإسلام واليومي” لمحمد رشيق ومحد الطوزي ومحمد العيادي، وهو بحث اجتماعي ميداني عن الدين في اليومي المغربي.


الرحلة الحجازية


وفي أدب الرحلات فاز ثلاثة كتاب مغاربة بجوائز ابن بطوطة للأدب الجغرافي في دورتها التاسعة (2013-2014) والتي يمنحها المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق). وقد أعلن المركز أن جائزة فرع تحقيق المخطوطات عادت للمغربي نور الدين شوبد عن تحقييقه “الرحلة الحجازية” لأبي عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الفاسي.

وهي من أمهات الرحلات المغربية إلى الحج في القرن الثامن عشر. وفي فرع الدراسات، فازت المغربية مليكة نجيب عن كتابها “المرأة تمثلا وتمثيلا في الرحلة السفارية المغربية خلال القرنين 18 و19″ وتتناول فيه مظاهر حضور المرأة في كتابات الرحالة إلى أوروبا في تلك الفترة. فيما فاز عبد العزيز الراشدي بجائزة الرحلة المعاصرة عن كتابه “سندباد الصحراء”، وهو عبارة عن نصوص رحلية إلى مدن غربية وعربية..

واختتمت السنة حركيتها بنقاش حاد حول اللغة العربية أم الدارجة أيهما أصلح للتعليم؟ وهو سؤال مغلوط قد طرحه رجل الأعمال والمال، والبعيد عن المجال اللغوي، محسن عيوش. وقد طرح عيوش على أنظار الملك مذكرة يدعو فيها إلى التدريس بالدارجة المغربية في المدارس، هو الناطق بالفرنسية والذي يعيش طوال الوقت بعيدا عن بلده، حتى ولو كان داخله.

وقد استدعت هذه المذكرة ردود فعل قوية من طرف المثقفين والمجتمع عموما. ولا أدل على ذلك من خروج المفكر عبد الله العروي عن صمته وناظر عيوش في برنامج تلفزيوني تبين من خلاله أن عيوش غير عالم كليا بقضايا اللغة والتعليم والتكوين.

كما خرج إلى النقاش الباحث اللغوي واللساني المعروف عبد القادر الفاسي الفهري، والروائي بنسالم حميش، وكلهم وجهوا النقد لمذكرة محسن عيوش. وقبل أيام وقعت شخصيات حزبية وثقافية هامة مذكرة وجهوها إلى ملك البلاد يقترحون فيها خطة لإصلاح التعليم.ومن أحزان السنة وفاة المفكر المغربي سالم يفوت بعد صراع طويل مع المرض.
16