الحصاد المر لأجهزة الاستخبارات

الجمعة 2014/02/14

الكل ينفض يديه، الكل بريء براءة الذئب من دم يوسف، فمن إذن يمول هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تجتاح العالمين العربي والإسلامي؟ من يعلفها ويسمنها ويطلقها بعد أن يمدها بالسلاح خفيفه وثقيله؟ من يوظف العناصر ويؤهلها للقتال وييسر نقلها من بلدانها إلى مناطق الصراع؟ بل من يحدد لها المناطق ويوفر لها الأمن والأمان لكي تعبر من هذه الدولة إلى تلك بهذه الأعداد وهذه الترسانة من الأسلحة؟ ويدعمها بوسائل الاتصال عالية التقنية وييسر لها الحصول على المعلومات؟ من يرعى انقساماتها حتى ليبلغ عدد التنظيمات التي خرجت من عباءة القاعدة 27 تنظيما؟

وما الأهداف التي يسعى إلى تنفيذها من وراء ذلك الانتشار الواسع لها ولعملياتها الإرهابية والتخريبية؟ تساؤلات كثيرة تقفز إلى الذهن، حين يتابع مثلا أخبار تحركات الوحدات القتالية لـ”تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” الإرهابي، أو ما يعرف بـ”داعش”، من سوريا إلى لبنان والعراق ومصر وغزة حيث أعلنت مجموعة مسلحة أطلقت على نفسها “النصرة المقدسية للدولة الإسلامية” ولاءها لـ”دولة العراق والشام”، واستعدادها لـ”الجهاد”، أو عندما يقرأ أن القوات العراقية ـ وفقا للفريق أنور أمين قائد القوات الجوية ـ قامت بتنفيذ ما يقارب 400 طلعة جوية ضد مقاتلي “داغش” في الأنبار في يوم واحد، أو أن هناك 7500 مقاتل أجنبي يتواجدون داخل الأراضي السورية قادمين من 50 دولة بحسب رئيس جهاز الاستخبارات القومية بأميركا.

وأخيرا على غرار “داعش” الإعلان عن تنظيم أطلق عليه “الإمارة الإسلامية في مصر وليبيا”.

إذا كان الجميع شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا بريء وليل نهار يندد ويستنكر ويصدر القوانين والأوامر بحصار وقتال هذه التنظيمات والجماعات الإرهابية؟ فلا أحد يخرج علينا ليقول إنها تولد وتنشأ وتتفرع من تلقاء نفسها أو بفعل عوامل الفقر والجهل والقهر والاستبداد والتسلط الديكتاتوري للأنظمة وحدها، فهذه العوامل يمكن أن تفرز عنفا وإرهابا عشوائيا محدودا في نطاق هذه الدولة أو تلك.

لكن ليس هذا الشكل الممنهج والمنظم الواسع القوة والانتشار، لذا هذه الجماعات والتنظيمات لكي تخرج لابد لها من حاضنات دولية تملك المال والسلاح والنفوذ والأجهزة والمؤسسات ولها أجندة أهداف ومطامع استراتيجية كبرى، فالأمر يتجاوز كثيرا ما سبق كما يتجاوز مجرد زعزعة استقرار أو ممارسة ضغوط أو ابتزاز هذه الدولة أو تلك.

دعنا ممن يثرثر ويتشدق به قادة وشيوخ وفقهاء هذه الجماعات والتنظيمات عن الإسلام وأوهام الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية ونصرة الإسلام وما شابه، فالإسلام ليس في حاجة إلى كل هؤلاء المدعين ولجرائمهم الشائنة وعملياتهم الإرهابية القذرة ليقيم دولة أو خلافة أو قيما عليا يثبت بها أركانه وينال احترام وتقدير العالم كله، إنهم يستهدفون الرئاسة والملك والمال والشهرة والنفوذ ليس إلا.

وانتهى أمرهم ليصبحوا أدوات لقوى الشر في الشرق والغرب، اتخذت أوهامهم الجاهلية مطية لتنفيذ أهدافها في العالمين العربي والإسلامي سواء في التقسيم والإضعاف أو في الاستيلاء والهيمنة على الثروات والمقدرات، أو الاتجار بالسلاح والبشر، أو تدمير وتخريب الإرث الحضاري، وقد توافق تنفيذ هذه الأهداف مبكرا جدا مع الشروع في غرس الصهيونية في فلسطين ومنحها بعد ذلك دولة انطلاقا من وعد بلفور 1917 وإسقاط الخلافة العثمانية 1922 ونشأة أولى هذه الجماعات المسماة الإخوان المسلمين 1928 في حاضنة البريطانيين.

تتمثل هذه القوى في دول غربية وأميركا وإسرائيل ودول عربية وإقليمية، للبعض أجندة توسيع نفوذ وسيادة، وللبعض أجندة توسيع حدود واحتلال أراضي الغير، وللبعض أجندة استنزاف وإنهاك لفرض السيطرة، وللبعض أجندة حماية وحفظ استمرار الحكم في قبضته، وللبعض أجندة تجارية لبيع ما تنتجه مصانعه للسلاح والذخيرة، وللبعـض أجندة دينيـة وطـــائفية.

كل هؤلاء “البعض” يشكلون حاضنات لجماعات وتنظيمات إرهابية، حيث تتكفل أجهزة مخابراتها بصناعتها ثم فتح ممرات آمنة لها، وإطلاقها بالدعم والمساندة والتمويل والتحريك، فإذا كبرت وخرجت عن الطوق وأظهرت مخالب ـالقاعدة مثلاـ أجرت فيها الانشقاقات اللازمة لإعادة السيطرة عليها، وهو الأمر الذي يفسر تعقيد هذه الجماعات والتنظيمات وانشطارها وانتشارها السرطاني في الجسد العربي والإسلامي.

فليس هناك من تفسير آخر يمكنه شرح هذه التناسل الذي لا يتوقف والحركة الحيوية لهذه الجماعات والتنظيمات من دولة إلى أخرى.

إن من يحرك هؤلاء أجهزة الاستخبارات التي تسيطر على الحاضنات، وبالطبع تعمل وفقا لأجندات الدول التابعة لها، وانحراف أو انفلات هذا التنظيم أو الجماعة عن مساره أو دخوله تحت جناح أجندة أخرى لدولة أخرى، يؤكد فشل سيطرة هذا الجهاز أو ذاك، وقدرة أجهزة أخرى على اختراق أجندته.

وهذا يندرج تحت الصراع المخابراتي.

لكن الأدهى والأمر أنه قد يلعب هذا الجهاز أو ذاك بأجندة دولته أو يغرر به تحت حساب التعاون الأمني وتبادل المعلومات، أو يتم اللعب به ليعمل لحساب نفوذه الخاص تحت إغراء وسطوة المال، ولو بمجرد التغاضي أو التجاهل أو إخفاء معلومات.

وأظن أن ذلك حدث في فترات السبعينات والثمانينات والتسعينات ومطلع الألفية الثالثة، حيث تعرت المنطقة العربية واستسلمت بكامل إرادتها أمام أجهزة أميركا وحلفائها الغربيين باعتبارها القطب الأوحد وشرطي العالم، وسلمت لها الرخيص والغالي من أموال وأسرار، بل سمحت لها باستخدام أراضيها بل وإنشاء قواعد عسكرية عليها، لتدخل طوال أربعة عقود وحتى الآن في حرب ضروس ضد مصيرها، حرب تشكلت إرهابا منظما يسير وفقا لأجندة مخططة أهدافها بدقة، فليس ما جرى ويجري في العراق وسوريا ومصر ولبنان واليمن وليبيا مجرد صدفة، ولكنه نتيجة مباشرة لتردينا وتسليم أمورنا وقيادنا للغير لا أقول على مستوى الإرادة السياسية وحدها بل على كافة المستويات، حتى لم يبق لنا شيء نحمي به بلادنا ونقي به مستقبلها من هذا الإرهاب الأسود وصناعه ومحركيه.

إن قارب النجاة رهن طرحنا على أنفسنا الأسئلة، أسئلة ما ارتكبناه من أخطاء وأسئلة ما سنفعله، وألا نغالط أنفسنا فقد زرعنا بأيدينا وأيدي الغير في الأمس القريب واليوم نحصد الثمرة الحنظل، ولكي يكون الغد أرحم بنا من الأمس واليوم، علينا بالمكاشفة وتحرير الطريق نحو الغد بالأسئلة لنبدأ العمل للمستقبل.

7