الحصار السوري

الأحد 2015/10/04

لماذا لا يستطيع المواطن السوري داخل سوريا أن يؤدي فريضة الحج في السعودية؟ سؤال أطرحه مع ملايين من المواطنين السوريين وغير السوريين ولا نعرف حقيقة سبب هذا المنع!

تأثرت كثيرا بآلام وشكاوى السوريين التواقين لأداء فريضة الحج وتساءلت ما الذي يمنعهم من أداء هذه الفريضة؟ هل هو خلاف سياسي وأسباب عديدة لا أحد يجد نفسه مضطرا إلى توضيحها للمواطن السوري الذي تحولت حياته إلى ألغاز وتحول وطنه إلى قفص لا يستطيع مغادرته إلا بصعوبة شديدة؟ أي ظلم وعار؟ ألا يتمكن أي إنسان من ممارسة طقوسه الدينية؟

ومهما كانت الظروف والأسباب، سواء عرفناها أم لا، لا يوجد سبب أخلاقي ولا إنساني يمنع مواطنا من ممارسة طقوسه الدينية. لم أستطع السكوت عن هذا الموضوع الحساس والإنساني بسبب كثافة الاحتجاجات على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، إحدى السيدات كتبت بأنها نذرت أن تحج واستدانت مالا لتحقق رغبتها، ولكنها ممنوعة من هذا الحق،

حتى السفر إلى لبنان صار صعبا إلى درجة الاستحالة، طوابير من المسافرين ينتظرون بين عشر ساعات وخمس عشرة ساعة على الحدود السورية اللبنانية، ومعظمهم لا يمر، ويُعيدونه إلى الأراضي السورية لأسباب عديدة أيضا، لا يكلف أي مسؤول نفسه بتوضيحها للمواطن المنكوب.

بل إن أغلب معارض الكتب التي تُقام في دول عربية تمنع دور نشر سورية من المشاركة، كما لو أن الغاية الرئيسية لكل هذه الممارسات هي معاقبة الشعب السوري.

ومرارا تلقيتُ، كغيري من الكتاب السوريين، دعوات أدبية للمشاركة في ندوات ومؤتمرات في دول الخليج وغيرها، ونتفق على السفر ونرسل المحاضرات ثم نفاجأ باعتذار لبق بأن السوري ممنوع أن يعطى تأشيرة وبالتالي لا يمكنه السفر. حتى الحوالات المصرفية تتضمن عقوبات على الشعب السوري، إذ يمنع على السوري تلقي حوالة بالدولار أو إرسالها!

يمكنني ذكر أمثلة عديدة كلها تعكس أنماطا من إذلال السوريين، كما لو أن معظم دول العالم متفقة على إذلال الشعب السوري، والأكثر إيلاما هو إحساس المهانة والذل في سوريا، فكم من معارضين وطنيين قضوا شبابهم في السجن ممنوعون من السفر ولا يُعطى لهم جواز سفر مع أن هؤلاء يحضرون كل الاجتماعات لمعارضة الداخل الوطنية، ومع أن كل الصحف الرسمية السورية وخطاباتها تدور حول قبول الرأي الآخر والحوار مع المعارضين! فكيف تحترم معارضا وتمنعه من السفر وتعتقله ولا تمنحه جواز سفر!

أي ذل ومهانة أكبر من أن يفصل أحد الأساتذة الجامعيين من عمله كمدرس في الجامعة بسبب موقف سياسي اتخذه، وأن يقطع رزقه وينبذ ولا يتمكن من تأمين حتى عقد عمل خاص في جامعة خاصة لأن غضب الأجهزة الأمنية منقض عليه، ورغم ذلك يستمر تدريس كتبه في الجامعة وتطبع مرارا وتكرارا، ويتحول الأستاذ الجامعي والمثقف والموظف إلى عاطل عن العمل، بسبب آرائه السياسية.

وأي ذل كبير أحسست به، ككثيرين من السوريين، حين نصل الحدود السورية اللبنانية ونفاجأ بأننا ممنوعون من السفر لأسباب الله أعلم ما هي وبأن علينا مراجعة أحد فروع أمن الدولة وغالبا في دمشق رغم صعوبات السفر وخطورته، وحين نسأل الضابط المسؤول لماذا لم تعلمونا بالمنع من السفر مسبقا، لا يرد أو يرد بابتسامة قائلا بأنه يتلقى الأوامر من فوق!

لا أنسى أبدا شعور المذلة حين كنت مدعوة إلى البحرين للمشاركة في مؤتمر أدبي –تاء الشباب– وكانت الطائرة ستقلع ظهرا من بيروت، وكم صعقت حين قال لي الضابط السوري على حدود العريضة بأنني ممنوعة من السفر وعلي مراجعة فرع مخابرات كفر سوسة في دمشق، وهو ليس مخولا ولا يعرف سبب منعي.

أي حرية رأي وأي إصلاحات وهمية يمكن أن نصدقها؟ وبكل بساطة أجد نفسي أعود إلى اللاذقية بسبب قرار منع السفر هذا! ويتحلق حولي الأصدقاء ونحن نحاول أن نخمن السبب وراء هذا المنع، وتمر ساعات ونحن نحاول حل اللغز الذي لا يعرفه إلا هؤلاء الذين يتحكمون بحياتنا، هؤلاء الفوق.

وأحد أصدقائي حاول أن يؤكد لي أن قرار منع سفري هو بسبب مقال كتبته بعنوان: مُتهم حتى يثبت العكس، وفيه بينت كيف أن المواطن السوري يلازمه شعور الذنب والاتهام باستمرار وبأنه مطالب بتقديم براءة ذمة على سلوكه وكل كلمة تصدر عنه كل لحظة. لا نزال نعيش في زمن يسجن فيه كاتب أو إنسان بسبب مقال أو كلام، فأي إصلاحات خُلبية هذه؟!

لقد تحولت حياة السوري إلى تنويعات من القهر والإذلال على جميع المستويات، ولا أنسى ما قالته إحدى الأمهات لي: أي أمل سوف نعطيه لأولادنا ونحن الأهل نعاني كل هذا القهر واليأس والذل؟ لم يعد باستطاعتي إقناع إبني بأن ثمة أملا في المستقبل في سوريا، بلد الموت والدمار والإحباط، وطن تحول إلى قفص، وتحول المواطن إلى سجين.

21