"الحصار" مسرحية لألبير كامو الآخر الساخر هذه المرة

الاثنين 2014/03/31
"الحصار": كامو حذر من الاستيلاء على ثورات الربيع العربي قبل نصف قرن

باريس- عرف ألبير كامو (1913 /1960) برواياته “الغريب” و”الطاعون” و”السقوط”، وبأعماله الفكرية مثل “الإنسان المتمرّد” و”الإنسان الأول” و”أسطورة سيزيف” و”رسالة إلى صديق ألماني”، مثلما عرف بمسرحياته التراجيدية مثل “العادلون” و”كاليغولا” و”سوء التفاهم”، وكلها أعمال رصينة تخالف مسرحيته “الحصار” التي تعرض حاليا بمسرح الجيب بمونبرناس من 4 مارس الجاري إلى موفى شهر أبريل القادم.

مسرحية تتسم بالهزل والسخرية اللاذعة على طريقة “الملك أوبو” لألفريد جاري، في تناول موضوع جاد شغل المفكرين على مرّ العصور هو الاستبداد. في هذه المسرحية توسل كامو بالسخرية لنقد الاستبداد والهيمنة على مصائر الشعوب، وتخيل حاكما لا كفاءة له، يسوس شعبا خانعا راضيا بحياة الكسل والخمول، لا يحرك ساكنا لتغيير وضعه.

وفيما كان هذا الشعب مستنيما لحياته الرتيبة، يُقبل شخص انتهازي يدعى “الطاعون” مصحوبا بسكرتيرة، فيستولي على الحكم بالقوة، ويخضع ذلك البلد المسالم لنظام شمولي غاشم. وسرعان ما يجد نفسه وجها لوجه مع مقاومة شرسة يقودها رجل وحيد اسمه دييغو، تمرّد على السلطة الجائرة، لأنه أدرك أنها تستمدّ قوتها من الخوف الذي فرضته، والفكر الذي كرّسته، وتعنتها في مقاومة كل رأي مخالف.


تثبيط عزائم


لم يخضع المتمرّد الشاب للنظام القائم، بل واجهه بكل ما أوتي من حزم وعزم. ورغم المساعي المتكررة لاحتواء غضبه وفورته، لم يستطع الحاكم المتغطرس استمالته لا بالترغيب ولا بالترهيب، ولم يجد حيلة لإخماد دعوات التحرر والعتق التي كان يرفعها، فقتله ثم انسحب.

وصار كل شيء بعد ذلك ممكنا. ولكن هذا الممكن حال دون تحقق الخمول الجماعي واكتماله، وبذلك استعاد النظام السابق موقعه في سدة الحكم، برضا الناس جميعا. وكان الطاعون قبل انسحابه قد صرّح: “إذا كان الظلم والجور والقسوة تدفع الناس إلى التمرّد، فإن الغباء يثبط العزائم، والرجالَ (المتمرّدين) إذا ما أعيتهم رؤية الغباء منتصرا على الدوام، يسلّمون أمرهم ويلوذون بالصمت”.

ليست الأفكار في نظر كامو أوثانا معبودة لا تلمس، بل هي أدوات لتغيير الحياة

تدور أحداث المسرحية في فضاء داخلي: داخل غرفة أو بيت أو قصر، ويترك للمتفرج تخيل ما يجري في الفضاء الخارجي بفضل بعض المشاهد المنفتحة على الخارج.

أما الديكور، المتكوّن من جداريات منزلقة يمكن تغيير وضعها بحسب الفصول، فهو حيّ متحرك، يتحوّل بتحوّل المشاهد والصور وتقلبات العقدة الدرامية. وأما الممثلون فقد اختارت المخرجة تقزيم أحجامهم على نحو يبدون فيه أشبه بالدمى المتحركة، متضائلين أمام الحاكم المستبد، وفق مشهدية تعمق في المسرحية طابعها الهزلي.

وفي هذا يقول كامو: “حرصت على ربط كل أشكال التعبير الدرامي منذ المنولوغ الغنائي إلى المسرح الجماعي، مرورا بالتمثيل الصامت، والحوار البسيط، والعرض الهزلي، والجوقة الجماعية”.


هزل وجد


عرضت المسرحية أول مرة عام 1948 على مسرح مارينيـي في إخراج لجان لويس بارّو، بمشاركة خمسة وعشرين ممثلا واتخذ العرض الذي دام ثلاث ساعات مسارين متداخلين: أحدهما غنائي على طريقة كلوديل، والثاني هزلي على نهج أريستوفان.

الأول تقليدي على طريقة المسرح الغنائي اليوناني القديم وكان من وضع المخرج، والثاني عبثي غير متقيّد بأسلوب على طريقة “الميوزيك هول” وكان من وحي المؤلف. أما المخرجة الشابة شارلوت روندليز فقد أعادت الاشتغال على النص لجعله معاصرا، يطرح قضايا تهمّ شباب اليوم واكتفت بستة ممثلين في عرض لا يدوم أكثر من ساعة وربع الساعة، ولكنها حافظت على صوت كامو وفكره وفلسفته.

تقول المخرجة: “ليست الأفكار في نظر كامو أوثانا معبودة لا تلمس، بل هي أدوات لتغيير الحياة. ومن ثمّ، سمحنا لأنفسنا بإزالة كل ما يحيل على زمن بعينه حتى لا تُردَّ المسرحية وخطابها إلى مرحلة ولّت، لقناعتنا بأن “الحصار” يمكن أن تتوجه لشباب اليوم وتعبّر عن همومه. ذلك أن فكر كامو يعتني باللحظة الراهنة في ديناميتها المتوهجة، ويستدعي الفعل القادم، ويخاطب الإنسان الواعي بغده والتائق إليه”.

صحيح أن إطار مسرحية كامو هو المدينة، ولكن صوت الجوقة يمثل صوت شعب بأكلمه، شعب ذي أوجه عديدة. ومشاهد الفرح الغامر أو الفوضى العارمة تذكر بزحام جماهير ملاعب الكرة عقب انتهاء المباراة، أو رواد الكونشيرتو بعد نهاية العرض، حيث يسود اللغو والضجيج، والجدل الحامي وحتى الخصام أحيانا.

ورغم الجو الطافح بالهزل الدائم، لم تفقد المسرحية توازنها وانسجامها، واستطاع الحوار أن يمزج بمهارة بين تحديثه بما يناسب العصر، والمحافظة على عمق النص الأصلي الناطق بفكر مؤلفه، المعبّر عن فلسفته.

وهو ما شكل وحدة هزلية جذابة تجد صداها في واقع المجتمع الراهن، سواء في بلاد الغرب، أو في أوطاننا بعد ثورات الربيع التي وقع الاستيلاء عليها، وفي أحسن الأحوال تحويلها عن مجراها، للأسباب التي حذّر منـــها ألبير كامو منذ أكثر من نصف قرن.

16