الحصانة من شرور الإنترنت

الأربعاء 2015/06/10

نعيش في عالم تلاحقنا فيه الأمواج والإشعاعات حتى غرف النوم، وهي تحمل القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية وموجات الهاتف الخلوي، ولو كان للموجات المتطايرة حولنا صوت لسمعنا طنينا هائلا مزعجا لا يطاق، ولكنها موجات غير مرئية وصامتة، إلى أن تدخل في كمبيوتر أو هاتف أو أي جهاز استقبال، لتتحول إلى صور وأصوات وموسيقى وكتابات وأفلام ومعلومات ورسائل وبرامج عجيبة غريبة مريحة ومزعجة، نافعة وضارة… عاقلة ومجنونة، محتشمة وإباحية، نافعة وعبثية، معقدة وبسيطة و…

وفي هذا الخِضَمِّ المتدفق بلا رحمة والذي يقتحم عالمنا بلا استئذان هل من وسيلة للحصانة ضد أضراره، ألا يجدر بالمرء أن تكون لديه رؤية ناضجة في كيفية التعامل مع هذه التحديات الإلكترونية وأن تتوفر لنا قوَّة واعية تأخذنا إلى برِّ الأمان، أي حصانة من شرور الإنترنت!

إن الإنسان أمام مغريات الإنترنت سيميل إلى اختيار ما تهواه النفس، خاصة أن المرء غالبا ما يكون منفردا أمام جهازه يتابع بسهولة ما يصل إليه عبر الإنترنت من تنوع ومغريات بلا حدود ولا رقابة، فكيف يمكن أن تتوفر عنده الحصانة لتكون جهاز مناعة واقٍ من أن يتسرَّب إليه شيء من الخلل والعطب؟

وقديما دعا الإمام أبو حامد الغزالي (القرن الخامس الهجري 450) في كتابه “إحياء علوم الدين” إلى الحذر أمام تنوع الأفكار ومصادرها، التي لم تكن مطلقا مثل ما هي عليه في أيامنا هذه، فأكد على أن يعمل الإنسان على تحصين عقله من الانحرافات الفكرية، وخصوصا إن كان في منطقة يكثر فيها أهل البدع والهوى، “… فينبغي أن يُصان بتلقين الحق”، ويعترف الغزالي بصعوبة وعسر تجنب الباطل!

ماذا كان سيقول الغزالي، الذي عاش في زمن لم تكن فيه وسائل نقل المعلومات سهلة ومتوفرة مثل ما هي عليه في زماننا هذا، لو رأى ما يضعه الإنترنت أمامنا من مغريات سهلة التناول متنوعة المحتوى والأساليب، حيث يستطيع حتى الأطفال التعامل معها على الكمبيوتر أو الهاتف المحمول الذي تحتضنه الأكف بحرص وتتعامل معه الأصابع بمهارة واستمتاع.

يمكن للمفكرين والتربويين أن يروّجوا للحصانة الفكرية بالعلم والتثقيف لحماية عقول النشء من الآثار السلبية والفكرية المتدفقة عن طريق التلقي المباشر من وسائل التقنية الحديثة.

هذا كلام سهل أمام الزخم الهائل من ثقافات وقيم متنوعة تختلف في بيئاتها عن بيئاتنا وأخلاقياتنا، ممّا يشكل تناقضا كبيرا بين ثقافتنا وثقافة تلك الدول.

إن الاشكالية في التفكير والحياء والفضيلة تعود بالدرجة الأولى إلى سوء استخدام التقنية الحديثة، فمعظم السلبيات تتمركز حول سوء الاختيار والإفراط والتساهل في استخدام التقنية للتسلية، أو لإبراز المهارة والتميز، والمخاطرة وإشباع روح المغامرة، وعدم تقدير الأضرار التي تلحق بالذات أو بالآخرين نتيجة لسوء استخدام التقنية وعدم الإلمام بأبعادها المعرفية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية.

هل تتحقق الحصانة بالرقابة والمنع؟ أولا إن هذا من الناحية التقنية العلمية غير ممكن إلا في حدود ضيقة جدا يمكن التحايل عليها، كما سيعتبره الكثيرون تعديا على حقوق الإنسان، وحَجرا على الأفكار واسترقاقا فكريا وإرهابا ثقافيا، وأنَّه لا بأس أن يستمع من شاء إلى من يشاء، وهو يفرز ما يضره وما ينفعه!

وهنا تجدر الإشارة إلى الاشكاليات التي تعيشها الكثير من العوائل العربية والإسلامية في بلاد الغرب، حيث تعيش تناقضا كبيرا بين ما تربت عليه وما تعايشه هناك، وتكبر المشكلة عندما يفكرون بالمخاطر الأخلاقية التي تهدد أولادهم وبناتهم وعجزهم عن صيانتهم من تلك المخاطر.. تماما مثل الشباب وحتى الأطفال الذين يختلون بأنفسهم أمام الكمبيوتر أو الهاتف المحمول المتعدد الوسائل فيقلبون الصفحات على هواهم ومزاجهم ورغباتهم.. ويخفون عن أهلهم ما يرونه عبر الإنترنت زاعمين أنهم لا يرون إلا ما ينفع من معلومات، أو أنهم يستمعون للموسيقى والأغاني التي يحبونها!

ما العمل؟ أنا لا أريد أن أعطي حلولا ونصائح بل إنني أشخص حالة معقدة، فالتربويون وعلماء الاجتماع حائرون أمام إشكالية الحصانة ضد الإنترنت، فيتحدث البعض عن المنع إلاَّ أنَّ المنع لا بد أن يكون بإقناع لهم، وقد يكون منعهم متعذرا في هذا الزَّمن، وقد تكون له ردَّة فعل تجعلهم يصرُّون على ما يفعلون ولكن الأسلوب التربوي يرجِّح أن لا منع مطلقا، ولا إباحة مطلقة، بل إباحة وفق ضوابط وتحذير ودعم تربوي.

إن الإنترنت ليس نظاما شريرا فاسدا ومفسدا، بل الشر والفساد يكمنان في سوء الاستخدام من قبل المصدر أو المتلقي.

18