"الحصان الأسود" قدرة الفن على خلق أجنحة

تكرّرت قصة المعلّم الملهم والمؤثر في السينما إلى درجة أنّ الطرح أصبح يبدو مستهلكا، وصار يفرض الرهان على تميّز بالغ وإضافات تحافظ على اهتمام وانتباه المشاهد، وهو ما نشهده في الفيلم النيوزيلندي “الحصان الأسود”.
الثلاثاء 2015/05/19
الفيلم مقتبس من قصة حقيقية عن الماوري جينيسيس بوتيني

عندما نقرأ تقديما موجزا لفيلم ”الحصان الأسود” لمخرجه النيوزيلندي جيمس نابيي روبرتسون، ونتبيّن أنّه يتعلّق بالمدرب جينيسيس بوتيني الذي يحاول تدريب مجموعة من الأطفال المهمشين على الشطرنج، وأنّ الفيلم مقتبس من قصة حقيقية فإن حذرا ما ينتابنا، يليه الفضول لحسن الحظ.

تعليم لعبة ذهنية بعيدة عن الاستخدام البدني الذي قد يخلق نوعا من الحركة الباعثة على النشاط والحماس، وإقناع المشاهد بالسّياق وبانخراط الأطفال في ممارسة اللعبة ليس بالأمر اليسير خاصة، إذا عرفنا أن المدرب الذي يتم تناول شخصيته، إنسان عانى من الاضطراب النفسي المعروف بالاضطراب الوجداني الثنائيّ القطب، بما يتطلبه ذلك من إلمام وقوّة في الأداء للوصول إلى الواقعية والإقناع.

الماوري الطموح (من السكان الأصليين) كليف كورتيس، هو من تقمّص شخصية الماوري الكئيب والمتحمّس جينيسيس بوتيني، ومن سيقنعنا بدموعه وابتسامته وكلماته القليلة وتلك المتكررة التي تتملّكه بأنّه يملك تحديا وهدفا يعمل على تحقيقه ليس فقط عشقا للعبته المفضلّة، بل لأنّ حاجة الإنسان لصنع النجاح وتذوّقه جذرية ومتأصلة في النفس وقادرة على منح الشعور بالثبات والرّضا، ومنهما الدّنو من الانسجام مع الغير والسّعادة.

بعزيمة المقاتلين الذين يتقنون رقصة الهاكا، يستمر جينيسيس بوتيني في إعداد الصغار لمسابقة الشطرنج واستقطاب ”مانا” (جيمس روليتسون) ابن صديقه لإبعاده عن الانحراف والجريمة.

رغم تعرضه للتعنيف اللفظي والجسدي، فإنّه لا يحيد عن رغبته ولا يقع فريسة لليأس الذي يتربص به ويرصده من كل الجهات. فالرجل متشرد، مضطرب نفسيا، فقير ويعمل على منح الإحساس بالاستقرار لجمهور من المرهفين الصغار الذين قد يزيدهم أيّ فشل أو تخل جديد إيذاء وتحطيما. جيمس روليتسون يتألق بشكل استثنائي في تقديم الطفولة المعتدى عليها التي تحتاج لانتشالها ونقلها إلى واقع أحن وأرحم.

جيمس روليتسون يتألق بشكل استثنائي في تقديم الطفولة المعتدى عليها، والتي تحتاج إلى انتشالها ونقلها إلى واقع أرحم

يقول الممثل كليف كورتيس إنه قبل تقمص دور جينيسيس تواصلا مع أفراد من عائلته وشخصيات أخرى كانت قريبة من الرّجل، فتبين المسؤولية التي تقع على عاتقه، وكذلك الفخر الذي يمنحه الدور إياه. فهو يقدّم شخصية حقيقية سيشاهدها من عرفوها، ولذلك عليه أن يؤدّيها بما يوحي بالمصداقية والتشريف لا الخـذلان والتشويه.

أجواء الفيلم المظلمة والمساحات المغلقة التي توحي بقساوة الواقع في ظلال الفقر والحرمان انسجمت مع طاقم التمثيل والهيئة التي ظهر بها. الأزياء والأشكال وتسرب الضوء والعوامل الطبيعية الأخرى في الصّور عبّرت بإتقان عن العالم الموحش الذي يطالب الإنسان بالنضال، ليس فقط من أجل الأفضل كنوع من التّرف، بل من أجله كضرورة تتيح العبور من قعر الحياة إلى حضنها الأكثر أمنا ومنحا للأمل. بعض تفاصيل الفيلم التي تشير إلى أصله النيوزيلندي تحسب للانسجام الممكن بين الانتماء الثقافي المحلي والانتماء الإنساني العالمي الأشمل.

الشّبه في النفس الإنسانية الأعرق من الاختلافات الظاهرية يمنح خطاب الفيلم مصداقيته القادرة على التأثير ولمس المشاعر وترسيخ صور إنسانية منها صورة الطفل الذي يدخله الكبار إلى عالمهم الرديء، فيكون ضحيتهم لكن مهمة الكبار الأكثر نبلا وإنسانية تتمثل في إنقاذه وتسليحه بفرص ومبادئ أخرى.

في تكريم جينيسيس بوتيني بفيلم من طراز ”الحصان الأسود” فتح للعيون على قوّة الإرادة وغنى الذّات بالعزيمة القادرة على صنع التغيير. وفي تحليق قصته إلى العالم قدرة الفن على خلق أجنحة، فكأنما الفيلم طائر كيوي أُريد له بالتعاون والجهد والإبداع أن يطير ليحمل رسالة نيوزيلندية نبيلة، ففعل.

16