الحضارات الراهنة بحاجة إلى التحالف لا إلى الحوار

يرى عبدالواحد أكمير، مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، وأستاذ تاريخ الأندلس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أن جوهر الأزمة التي نعيشها راهنا يتمثل في القطيعة بين المثقف، الذي يؤمن بنظرية حوار الحضارات، والسياسي الذي يميل أسلوبه أكثر نحو نظرية تحالف الحضارات، وسلط في حوار مع “العرب” الضوء على طبيعة العلاقات المغربية الأسبانية وتطوّرها على ضوء هاتين النظرتين، في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من تطوّرات ومتغيّرات.
الجمعة 2016/10/21
خط أحمر

الرباط – في الظروف الحالية، هل فعلا نحن في حاجة إلى حوار للحضارات يؤسس ويفرز علاقات متقدمة بين دول الشرق والغرب يطبعها التعاون والاحترام المتبادل أم لا؟ هذه الإشكالية قاربها عبدالواحد أكمير، المفكر ومدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، بالقول إن جوهر الأزمة التي نعيشها اليوم تتمثل في القطيعة بين المثقف والسياسي. فرجل السياسة له أولويات أخرى: اقتصادية أحيانا واجتماعية أحيانا أخرى، وانتخابية دائما، ولكن ليست فكرية أو حضارية، لذا لا يعتبر قضية حوار الحضارات من الأولويات. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الموضوع غائبا في السياسة الدولية.

واعتبر المؤرخ المغربي، في حوار مع «العرب»، أن تحالف الحضارات هو مستوى أرقى من حوار الحضارات، لاعتبارين أولهما أن الأخير يدعو إلى التحاور مع إمكانية الاختلاف، بينما يدعو الأول إلى ضرورة التحالف والاتفاق على مبادئ ومنطلقات ومرجعيات وقيم، تجعلنا بالضرورة في صف واحد في مواجهة عدوّ مشترك هو التطرف والإرهاب، وثانيا لأن تحالف الحضارات يعطي الأولوية للجانب السياسي والاقتصادي، بينما حوار الحضارات يعطيها للجانب الثقافي والفكري والأكاديمي.

الصحراء المغربية في الملف الدولي

لعب المغرب دورا مهما دوليا وإقليميا في ملف الإرهاب وهذا يمكن أن يكون مدخلا لتجاوز سوء الفهم الذي يحدث مرارا بين المغرب وأسبانيا القريبين من بعضهما جغرافيا وتاريخيا. وأكد عبدالواحد أكمير، مشيرا إلى أن العلاقات بين المغرب وأسبانيا اليوم لم يعد يتحكم فيها منطق الأيديولوجيا ولا منطق الفعل وردّ الفعل، وإنما منطق جديد يقوم على شبكة متداخلة من المصالح.

وخلص عبدالواحد أكمير إلى أن أسبانيا والمغرب يعيان أن التعاون بينهما يقوم على أربع ركائز هي: الملف الأمني وملف الصحراء المغربية وملف الاقتصاد وملف الثقافة، وكلها تشدّ بعضها بعضا، وبفضلها تمّ الانتقال من علاقة شراكة استراتيجية، إلى ما أسميه بـ”علاقات دولة”، لا تتأثر بما كانت تتأثر به في الماضي. فأسبانيا ترى اليوم، أن محاربة الإرهاب لا يمكن أن تتحقق دون تعاون مع المغرب، ويشاركها في الرأي الاتحاد الأوروبي.

وبخصوص موقف حزب بوديموس من الصحراء، ودعمه لجبهة البوليساريو، صنّفه عبدالواحد أكمير في خانة الشعبوية الانتخابية التي تخاطب شريحة من المجتمع الأسباني، التي تجهل بشكل كامل عمق القضية، وتسلم بالدعاية التي تقوم بها البعض من وسائل الإعلام والبعض من المنظمات غير الحكومية المعادية للمغرب.

وحول علاقات المغرب مع أميركا اللاتينية، أكد عبدالواحد أكمير أن قضية الصحراء المغربية، تعتبر المقياس الذي يضبط حرارة العلاقات مع هذه القارة، ويمكن أن نميز موقفها من ملف الصحراء، بين ثلاث مجموعات: الأولى لم يسبق لها أن اعترفت بالبوليساريو، وهي مقتنعة بالطرح المغربي، كما أن أهمية معاملاتها الاقتصادية مع المغرب تجعلها ترى بأن مصلحتها الإبقاء على موقفها كما هو، وعلى رأس هذه البلدان هناك البرازيل.

والمجموعة الثانية تضمّ بلدانا سحبت اعترافها مثل البيرو وكولومبيا والبراغواي. أما المجموعة الثالثة فلا تزال تعترف بالبوليساريو، وهي التي تنتمي إلى ما يسمى بـ”التحالف البوليفاري”، وهو تحالف تقوده فنزويلا ويضمّ كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا والإكوادور والبعض من البلدان الأخرى الصغيرة. ونفى استعداد أنظمة المجموعة الثالثة لسحب اعترافها بالبوليساريو، لدوافع أيديولوجية، باعتبار خطابها لا يزال ينتمي إلى مرحلة الحرب الباردة. يرى أن زوال هذه الأنظمة، والذي لن يتأخر في تقديره، قد يخلق استعدادا أكبر لدى هذه البلدان لتفهّم أكثر موضوعية لقضية الصحراء.

عبدالواحد أكمير: حوار الحضارات يدعو إلى التحاور مع إمكانية الاختلاف، بينما يدعو تحالف الحضارات إلى ضرورة الاتفاق على مبادئ ومرجعيات في مواجهة عدو مشترك

خصوصية الإسلام في أسبانيا، حسبما أكده عبدالواحد أكمير ارتبطت بالأسبان أنفسهم وليس بالمهاجرين كما هو الحال في بقية البلدان الأوروبية، فالإسلام لم يختف مع طرد الموريسكيين، لأن نصف هؤلاء نجحوا في البقاء بعد أن أخفوا هويتهم، وانعزلوا في مناطق نائية حتى لا يلفتوا الانتباه إليهم، وقد تمّ الاستناد إلى أن أندلس القرن العشرين تستمدّ قوميتها ومرجعيتها من الحضارة الأندلسية الإسلامية، لتأسيس “الحزب الأندلسي” الذي كان له نواب في البرلمان الأسباني والبرلمان الأوروبي، كما تولى عمودية عدد من مدن إقليم الأندلس، وكان عدد منهم يعتنق الإسلام.

وفي الشق المتعلق بمساهمة الهيئات والمؤسسات الإسلامية بأسبانيا في تأطير الخطاب الديني وتوحيده لمحاصرة المدّ المتطرف وفي ذات الوقت تصحيح نظرة الأسباني للإسلام والمسلمين، أكد عبدالواحد أكمير أن الشأن الديني الإسلامي في أسبانيا تشرف عليه اللجنة الإسلامية، التي تعتبر المخاطب الرسمي للحكومة الأسبانية، وهي التي وقعت مع الدولة الأسبانية اتفاقية تنظيم أحوال المسلمين سنة 1992.

أوروبا والهجرة

يشكل المهاجرون المغاربة الأغلبية المسلمة في أسبانيا وبجانبهم هناك المشارقة والأفارقة والآسيويون. وداخل كل مجموعة هناك إسلام يختلف في البعض من مظاهره عن إسلام المجموعة الأخرى، وكذلك داخل كل مجموعة هناك المعتدلون وهناك من هم أقلّ اعتدالا، وكل هذا يعقد الشأن الديني، بحيث لم يتمّ إلى حدّ الآن الوصول إلى توافق يرضي الجميع. وما يعقد الأمر أكثر، هو أن اللجنة الإسلامية المشرفة الرسمية على الشأن الديني، تعيش انقسامات عميقة على المستوى المؤسساتي، بسبب الخلافات بين الفيدراليتين الرئيسيتين اللتين تشكلانها.

هناك مشكلة أخرى ثقافية تمسّ الجالية المغربية والمسلمة، هي التربية والتعليم حيث يوجد في المدرسة العمومية الأسبانية أكثر من مئة ألف تلميذ مسلم يعانون مشاكل بالجملة، في الوقت الذي لا يتجاوز عدد المعلمين في المدارس العمومية الأسبانية ستين معلما يضطلعون بمهمة تلقينهم اللغة العربية والديانة الإسلامية.

وبسبب هذا النقص يلجأ البعض من الآباء إلى مدارس خاصة قد لا تلقن التلاميذ إسلاما يمثل العقيدة الصحيحة التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال. وأكد أكمير أن المهاجرين المغاربة لا يشكلون جالية لها نفوذ اقتصادي كبير، كما أنها لا تتوفر على علماء أو مثقفين كبار كما هو الحال في فرنسا.

يشير المفكر عبدالواحد أكمير إلى أن أوروبا لم تعرف هجرة ولجوءا جماعيا مثل الذي تعرفه اليوم منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تجاوزت أعداد المهاجرين واللاجئين كل التوقعات، والمقلق في الأمر هو أنه لا حل في الأفق القريب، ومن الممكن أن يتراجع اللجوء أو الهجرة لأسباب سياسية عندما تتوقف الحروب الأهلية التي تدفع بالناس إلى الفرار، ولكن الهجرة الاقتصادية لن تتوقف، لأن الفقر والتخلف لن يتراجعا.

وشدد على أن البلدان الأوروبية التي طالما رفعت شعارات تتحدث عن التضامن، تجد نفسها اليوم وقد تجردت من شعاراتها، بل هي في حالة مواجهة مع بعضها البعض. وكان فشل معالجة ملف الهجرة من الأسباب التي دفعت ببريطانيا إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. أما ألمانيا فهي تحصد نتائج سياسة الباب المفتوح التي طبقتها مع المهاجرين، وقد مني حزب أنجيلا ميركل بهزائم متكررة في الانتخابات خلال السنة الأخيرة، بسبب تساهله مع دخول الأجانب. وإيطاليا التي يقع عليها جل الثقل اليوم، فقد هدّدت بالسماح لانتقال المهاجرين الذين يأتون من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى بقية بلدان الاتحاد، والتخلي عن اتفاقية دبلن التي تفرض على المهاجر المكوث في أول بلد أوروبي يحل به، وذلك بعدما تبين لها أن هذه البلدان لا تريد أن تتضامن معها لإيجاد حل للمعضلة يرضي الجميع. أما بالنسبة إلى أسبانيا، فهي تتنصل من مسؤوليتها، وترفض الوفاء بما التزمت به في إطار نظام الحصص الذي أقرّه الاتحاد الأوروبي، والذي خصص لها حوالي 14 ألف لاجئ، كان عليها استقبالهم سنة 2016، لكنها لم تستقبل منهم إلى حدّ الآن إلا حوالي 200، رغم أنها ثاني مستفيد من الدعم المالي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي.

ويخلص عبدالواحد أكمير بقوله إنه لا بدّ أن يتم ّتحقيق بعض التقدم في مواجهة معضلة الهجرة واللجوء، ويجب إعطاؤها نفس الأهمية التي تعطى إلى الملفات الكبرى التي تعصف بالعالم اليوم.

كاتب من المغرب

12