الحضارة الأتريسكية.. "نشيد الحياة" في معرض باريسي

الأربعاء 2013/12/04
تأثر بارز بالفنون الشرقية والفينيقية في الزخرف والأسلوب

باريس - يقام حاليا في "متحف مايول" في باريس معرض بعنوان "الأتريسكيون، نشيد الحياة" وهو معرض هامّ واستثنائي الهدف منه التعريف بالحضارة الأتريسكية التي سبقت الحضارة الرومانية في إيطاليا، وهي حضارة متوسطية ما زالت غير معروفة إلى اليوم على الرغم من أنها استمرت أكثر من خمس مئة عام في الألف الأول قبل الميلاد وتميزت بتأسيسها للمدن ولحضارة عريقة فنافست اليونان وتحالفت مع الفينيقيين وقرطاجة.

لا تزال أصول الأتريسكيين أيضا مجهولة في جانب كبير منها رغم الدراسات والتنقيبات الأثرية التي تشير إلى أنهم جاؤوا من آسيا الصغرى واستقروا في شمال ووسط إيطاليا هربا من المجاعة. وبسرعة أظهروا براعتهم في تأسيس المدن وهيمنوا على غرب المتوسط مستفيدين من الثروات الطبيعية التي تزخر بها منطقة توسكانا حيث استوطنوا. ولقد اعتمدوا على لغة تجد جذورها في أبجدية اللغة اليونانية القديمة، غير أنّ العلماء يلاقون صعوبة في فهم نصوصهم المكتوبة. من هنا فإنّ الآثار الفنية الجميلة التي نتعرف عليها اليوم في المعرض تكتسب قيمة إضافية وهي الشاهد على تألق تلك الحضارة وازدهارها.

250 تحفة

هناك أكثر من 250 تحفة تختصر الملامح الأساسية للحضارة الأتريسكية التي عرفت عصرها الذهبي في القرن السادس قبل الميلاد، والتي لم تقم على دولة مركزية موحدة، بل على مجموعة من المدن التي عقدت فيما بينها تحالفات دينية وسياسية. برع الأتريسكيون في الصناعة والتجارة والزراعة وقامت مجتمعاتهم على أسس طبقية، الأسياد وطبقة وسطى وطبقة العبيد. ويتجسد ثراء طبقة الأمراء والأسياد في آثار القبور التي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، والتي نشاهد نماذج منها في معرض باريس.

تبين الدراسات التاريخية أن المرأة الأتريسكية كانت حرّة تشارك في اللقاءات العامة والشعبية وتمنح اسمها لأولادها

يتضح عند التأمل في هذه التحف مدى تأثرها بالفنون الشرقية ومنها الفينيقية سواء من ناحية المفردات الزخرفية أو من ناحية الأسلوب الفني الذي يعكس تديّنا عميقا من جهة وأسلوب حياة مترفة من جهة أخرى. وتلعب المرأة دورا أساسيا في المجتمع الأتريسكي، وهنا نقطة اختلاف واضحة مع المجتمعين اليوناني والروماني حيث كانت المرأة دائما أقل شأنا من الرجل. كانت المرأة الأتريسكية فاعلة في الحياة الاجتماعية والعائلية تماما كالرجل. وهذا ما تشهد عليه الآثار الفنية ومنها شواهد القبور والأواني الفخارية والمعدنية. وتبين الدراسات التاريخية أن المرأة الأتريسكية كانت حرّة تشارك في اللقاءات العامة والشعبية وتمنح اسمها لأولادها، وبسبب استقلاليتها وحضورها خارج منزلها كانت لها سمعة سيئة لدى اليونانيين الذين انحصرت ديمقراطيتهم في الرجال الأحرار فقط.
المعرض ركز على مظاهر الحياة في المدن

تأثر وتأثير

ما يميز المعرض المقام حاليا في "متحف مايول" في باريس عن المعارض السابقة المخصصة للأتريسكيين، هو تركيزه على مظاهر الحياة اليومية في المدن، مما يتيح للزوار التعرف على أنواع المساكن التي أقاموا بها ومنها بيوت الأثرياء الفخمة وكانت جدرانها مزخرفة بالرسوم الملونة الجميلة. هناك أيضا الحلي والأواني الخزفية والمعدنية والتي تعكس ازدهارهم التجاري، وعلاقتهم الوثيقة باليونانيين على الرغم من صراعهم معهم، وقد ظهر تأثير الفنون اليونانية بالأخص في الأواني الخزفية التي يشبه بعضها بصورة كبيرة الأواني اليونانية المصنوعة في المرحلة نفسها.

يولي المعرض كذلك اهتماما بالمشاهد التي تصف المآدب والرقص والألعاب وتبيّن حب الأتريسكيين لمظاهر البهجة الجماعية. أما فنون المدافن التي تمثّل أحد ألمع الأشكال الإبداعية في هذه الحضارة، فقد عبرت عن الوجه الآخر للحياة الاجتماعية والدينية، كما عكست طقوس الموت من خلال الزخارف ومشاهد الرثاء والبكاء ونقل الموتى إلى القبور. لم يشكل الأتريسكيون دولة موحدة كما أشرنا، بل على العكس كانت الصراعات على أشدها بين مدنهم ودويلاتهم المستقلة، مما سهل تقدم الرومان الذين سيطروا على مواقعهم وأخضعوهم لسلطتهم. لكن، بالمقابل، تعلّم الرومان الكثير من ثقافة الأتريسكيين واكتسبوا منهم العديد من التقاليد والمهارات.

16