الحضارة الإسلامية بناها المسيحيون والمسلمون

مسيحيون يخطبون من منابر المساجد ومسلمون يرممون الكنائس ويحمونها.
الأحد 2020/11/08
التسامح سمة حضارية ترسخها النخب

في عصر مأزوم بعلاقاته المركبة والمتشعبة والمتنافرة بين الدول والشخوص، تبدو الحاجة ملحة لتلمس ماض كان أكثر اتساقا مع مفهوم الإنسانية وأقرب إلى الروح الحقيقية للأديان والاختلاف عموما. عصور كانت كلمة الحياة فيها هي الأسمى والأعلى، فبنت إنسانا وحضارة. في تلك العصور قدم المسيحيون والمسلمون جهودا مشتركة ساهمت في بناء تاريخ مشرق تعتز به الإنسانية.

"أنا مسيحي ولي الفخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي وأكبّر اسمه وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله، ومهما أقصتني الأيام عن بلادي أظل شرقيّ الأخلاق، سوري الأميال، لبناني العواطف”، هكذا كتب الأديب جبران خليل جبران قبل ما يزيد عن المئة عام في مهجره بأميركا.

كان جبران خليل جبران إحدى القمم الإنسانية التي نشأت في منطقة الشام الكبرى، تلك المنطقة التي عاشت في الغالب من أيامها، حالة من التآخي بين أطياف المجتمع، بحيث انتمى الجميع إلى وطن واحد رغم التعدد في الثقافات والأديان. وما كانته الحياة في الشام كانته في مصر والعراق والسودان وكل العالم العربي.

وكان لمسيحيي العالم العربي دور فعال في بناء الدولة العربية الإسلامية منذ نشأتها، فمع قيام الدولة الإسلامية وظف الأمويون خبرات المسيحيين العرب في إقامة الدواوين والإدارة واستفادوا من خبراتهم في بناء الأسطول البحري وتدريب الجند عليه. من مسيحيي ذلك العصر كان ابن أثال والي حمص في عهد معاوية، وكذلك القائد سعيد بن ثابت.

وعلى نفس المنوال سارت الدولة العباسية التي استفادت من معرفة المسيحيين بعدد من اللغات القديمة، فقاموا بتقديم عدد من الترجمات الهامة لمراجع علمية كبرى ساهمت إلى حد بعيد في نهضة الدولة الإسلامية لاحقا.

ووُجد المسيحيون في العهد العباسي في كثير من الوظائف الكبرى، فكان منهم قادة في الجيش ووزراء وكان إسطفان بن يعقوب مديرا لخزينة الخليفة في عهد المأمون، وكان عبيد بن فضل في قيادة الجيش.

وفي عصر النهضة الفكرية العربية في القرن التاسع عشر كان للمسيحيين دور حاسم فيها، خاصة في منطقة بلاد الشام ومصر. وكانت منهم شخصيات شهيرة مثل بطرس البستاني، جبران خليل جبران، حليم دموس، قسطاكي الحمصي، إيليا أبوماضي، إبراهيم اليازجي، مارون عبود، جورج أبيض، نجيب الريحاني، وغيرهم.

شواهد من التاريخ

 انطلقت الفتوحات في صدر الدولة الإسلامية وتوسعت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان القادة يخبرون عمر بأحوال الحروب والأمصار المفتوحة، فيرد عليهم بالثناء والمديح والتوجيه، إلى أن كانت مدينة القدس، فكانت الوحيدة التي جاءها حتى وصلها وأهل المدينة وجيوش الفتح بانتظاره، فما كان من أهل المدينة التي كانت معظمها من المسيحيين إلا أن سلمته مفاتيحها من قبل البطريرك صفرينوس، فصلى فيها الخليفة عمر، ثم أعطى أهل المدينة العهدة العمرية التي جاء فيها “بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان.. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها… أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود”.

مسألة التكامل الديني المسيحي الإسلامي والوحدة بينهما جسدها عدد من الأدباء العرب في كثير من النصوص والقصائد

وكان الخليفة عمر قد رفض الصلاة في كنيسة القيامة حينما حان وقت الصلاة، وخاطب البطريك، أخشى أن يقال صلى عمر هنا فتتحول الكنسية جامعا، فقام وصلى في مكان بجانب الكنيسة حيث بني جامع سمي مسجد عمر بن الخطاب.

وفي دمشق وفي عهد الدولة الأموية عاشت تجربة تقاسم معبد واحد بين المسيحيين والمسلمين حالة متفردة، وهو الذي صار لاحقا الجامع الأموي.  يقول ابن كثير في ذلك “كان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الأعلى من جهة القِبلة مكان المحراب الكبير. فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم ويأخذ المسلمون يَمْنَةً إلى مسجدهم، ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى، من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين”.

وعندما حرر القائد صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس من الفرنجة عام 1187 ميلادي. تناول مفتاحي كنسية القيامة وعهد بهما إلى عائلة آل غضية، التي أصبحت لاحقا آل جودة، كما عهد إلى عائلة آل نسيبة بخدمة بوابات الكنسية بحيث تقوم بفتح وإغلاق الأبواب. وما زالت كلتا العائلتين المسلمتين تقومان بمهامهما بعد مرور ما يقارب الثمنمئة عام على تشريفهما بها. وقد تعايش المسيحيون في فلسطين مع الأمر، وفي كل الأعياد التي تمر على الكنيسة يقوم المسلمون بإعطاء المفاتيح وفتح الأبواب لجموع المصلين المسيحيين حتى يؤدوا صلواتهم فيها وما زال الأمر على هذا النحو حتى اللحظة.

وكان للقُمص القبطي الشهير سرجيوس تاريخ حافل في الثورة ضد الاحتلال البريطاني في السودان ومصر، وقد نفاه البريطانيون مرارا إلى سيناء وغيرها، ولما كانت ثورة مصر عام 1919 بقيادة سعد زغلول. علا فيها شعار عاش الهلال مع الصليب، فيها هب الشعب

المصري بكل مكوناته لمقاومة الإنجليز، وكان من رموز الثورة المصرية حينها القبطي سرجيوس الذي دعي من علماء الأزهر للخطبة من على منبر الجامع الأزهر يوم الجمعة، فلبى الكاهن الدعوة. فاعتلى منبر الأزهر وخطب في المصلين المسلمين يدعوهم إلى

مقاومة الاحتلال البريطاني والتمسك بالوحدة الوطنية المصرية وعدم الانسياق وراء الخدع البريطانية بدق فتن التفرقة بين المسلمين والمسيحيين. وخطب لاحقا في جوامع في مصر منها ابن طولون.

وبعد عقود من هذا الحدث الذي كان في القاهرة، يتجدد نفسه في دمشق، حيث يدخل الزعيم الوطني فارس بيك الخوري إلى الجامع الأموي، وهو من مسيحي سوريا، كي يرد على رسالة الجنرال غورو التي خاطب فيها مسيحيي سورية محاولا استمالتهم لفرنسا والادعاء بأن القوات الفرنسية جاءت للبلاد كي تدافع عن مسيحيي الشرق. فما كان من الزعيم الوطني إلا أن دخل الجامع الأموي واعتلى المنبر وخطب في المصلين المسلمين قائلا “إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا، نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله”.

سمير المسيحي يرى والمسلم عبدالله يحمله
سمير المسيحي يرى والمسلم عبدالله يحمله

وما كان من المصلين إلا أن توجهوا نحوه وخرجوا به في مظاهرة شعبية وهم يحملونه على الأكتاف طافت أرجاء دمشق وهم يهتفون بشعار الله أكبر. ثم جاء عام 1944 وصار رئيسا لوزراء سوريا وكان مسؤولا بحكم هذا المنصب عن الوقف الإسلامي، مما دفع بقلة من المتشددين إلى الغمز من التعيين بداعي كونه مسيحيا، فما كان من الغالبية

المسلمة في المجلس النيابي السوري حينها ومعظم علماء الدين إلا أن قبلوا بالتعيين وصرح النائب عن الكتلة الإسلامية في البرلمان الشيخ عبدالحميد طباع “إننا نؤمّن فارس بك الخوري على أوقافنا أكثر مما نؤمّن أنفسنا”. وهو الذي أوصى حين وفاته بأن يتلى القرآن الكريم

في مجلس عزائه رغم أنه عاش ومات مسيحيا. وعلى المستوى الشعبي، ثبت أنه عاش في نهاية القرن التاسع عشر في مدينة دمشق شابان، مسيحي اسمه سمير، وكان ضئيل الجسم ومشلولا لا يستطيع المشي، وصديق له اسمه عبدالله وكان مسلما، ويتميز بقوة البنيان لكنه كان كفيفا. فعاش الشابان سويا في غرفة واحدة، كان عبدالله قوي البنية يحمل سمير المشلول على ظهره، وكان يسترشد بما يقوله له حتى لا يقع في الحفر.

من حكايا الشعوب

سمير المسيحي كان يعمل حكواتيا في أحد المقاهي، فيذهب كل مساء ليلقي على سميعة المقهى الملاحم العربية القديمة، بينما عبدالله المسلم، يستمع إليه ويتابعه وهو يبيع البليلة على عربة خشبية على باب المقهى. وما إن يحل الليل حتى يعود عبدالله لحمل سمير على ظهره والعودة به إلى الغرفة التي يعيشان فيها، وبعد مضي العمر، كبر الرجلان وصارا بحاجة إلى المساعدة، فكان كل منها يقدم للآخر ما لا يستطيع أن يقوم به بمفرده.

وبعد سنوات مات سمير بعد مرض طويل، فأصاب عبدالله حزن وكمد كبير وهو الذي صاحب هذا الرجل وصادقه لعشرات السنين، فاعتلّ وساءت أموره الصحية ومات بعده بأسبوع واحد.

ومنذ سنوات، ضجت الصحافة الفرنسية بحكاية الخباز الفرنسي المسيحي الذي يقدم خلال شهر رمضان المبارك إفطارا مجانيا للعشرات من المسلمين الصائمين. ولدى سؤاله السبب، بيّن قائلا “توفي والدي عندما كنت صغيرا في الثامنة من عمري، وبقيت مع شقيقي الأصغر مني برعاية والدتي، التي كانت تعمل خبازة بسيطة، وبعد فترة تعرفت على صاحب مخبز صغير، صاحبه تونسي مسلم، ليست لديه أسرة، فتزوجها ورعانا أنا وشقيقي أفضل رعاية، وتكامل في البيت الدينان، فكنا ثلاثتنا مسيحيين وهو مسلم، وكان متدينا يواظب على عباداته بشكل منتظم وخاصة صيام رمضان. وعندما مات قررت أن أرد له المعروف، فأنا أقدم الطعام للصائمين المسلمين في كل رمضان إحياء لذكرى هذا الرجل الطيب”.

صورة

 وفي نيجيريا، حدث عام 2017 أن قام متشددون إسلاميون يعدون بالمئات بالهجوم على حي مسيحي في قريتهم بسبب نزاع على مراع، فقتل العديد منهم نتيجة العنف الذي مورس ضدهم. وهرب هؤلاء إلى قرية مجاورة سكانها مسلمون، فآواهم إمام جامع وخبأهم في الجامع وفي بيته، ورفض أن يفتح الباب للمسلحين لكي يقتلوا هؤلاء، وبدأ مع عدد من عقلاء القرية بدعوة المسلحين إلى أن يتركوا الفارين وشأنهم وبعد ساعات من الجدل كان لهم ذلك، فنجا مئات الأشخاص من القتل.

للأدب حصة

في مدينة الموصل في العراق شهدت منذ أعوام حدثا عاصفا، فبعد تحرير المدينة من تنظيم داعش وفي منطقة الحي العربي قام جمع من شباب مسلم بإعادة تأهيل دير كوركيس لكي يستطيع مسيحيو المدينة إقامة صلوات عيد الميلاد فيه، كما قام هؤلاء الشباب الذين كانوا نيفا وعشرين شخصا بتزيين الدير بأشجار الميلاد لكي يتسم المكان بالمزيد من البهجة والسرور. وتسبب الحدث في حينه بعاصفة من المتابعة الصحافية والشعبية، وهو الأمر الذي قابله مسيحيو المدينة والعراق بترحاب كبير وكان مؤشرا على حقيقة العيش المشترك الذي يكنه الطرفان منذ مئات السنين.

ولم يقف الأدب العربي ساكنا في مسألة التكامل الديني المسيحي الإسلامي، فجسد عدد من الأدباء العرب حقيقة الوحدة بينهما في أفضل حال، فحمل الشعر العديد من المحاولات التي كتب فيه مسيحيون عن الإسلام ومسلمون عن المسيحية. منهم المطران السوري نيفن سابا وهو قامة دينية مسيحية كبرى في منطقة البقاع بلبنان، الذي قال في قصيدة دينية إسلامية الروح:

عهد الجدود تجدّد/ ما بين عيسى وأحمد/ يد العدى قطعته/ بالأمس الله يشهد/ لكنّه بالنصارى/ والمسلمين توطّد.

أما الشاعر إيليا أبوماضي فقال في ضرورة التآخي الإسلامي المسيحي:

ما بال قومي نائمين عن العُلى/ ولقد تنبّه للعُلى الثقلان/ تُبّاع أحمد والمسيح هوادة/ ما العهد أن يتنكرّ الأخوان/ الله ربّ الشرعتين وربكم/ فإلى متى في الدين تختصمان/ مهما يكن من فارق فكلاكما/ يُنمى إلى قحطان أو غسان/ فخذوا بأسباب الوفاق وطهّروا/ أكبادكم من لوثة الإضغان/ في ما يحيق بأرضكم ونفوسكم/ شغل لمشتغل عن الأديان/ نمتم وقد سهر الأعادي حولكم/ وسكنتم والأرض في جيشان.

13